الأخبار العاجلة

فلم « شارع حيفا».. وهم الديمقراطية التي تأتي على ظهر الدبابات الأمريكية، والقناص الذي أيقظ أوجاعنا.. وصور لنا الجحيم في شوارعنا

مجدي الطيب

عن «شارع حيفا»، الذي كان محظوراً على العراقيين دخوله، بسبب خطورته، والعراق، عام 2006؛ الذي يجري كل شيء فيه تحت سمع وبصر المحتل الأميركي؛ حيث تسيطر الهليكوبتر على السماء، وتعيث المدرعات في الأرض فساداً، اختار المخرج الشاب مهند حيال تقديم فيلمه، الذي كتب له السيناريو مع هالة السلمان، وقدم من خلاله قصة شيقة للغاية عن قناص يقطن «عشة» فوق سطح بناية في الشارع، يرصد المارة، ويُرديهم قتلى، لكنه ضحية، في واقع الأمر، للاحتلال الأميركي الذي أسهم في تأجيج الحرب الطائفية في العراق، وأحال حياة أهله جحيماً !
المفارقة المثيرة أن مهنّد حيال كتب الفيلم، وهو في الثلاثين من عمره، لكنه أنهى تنفيذه وهو في الثالثة والثلاثين، ليرصد تجربة، تبدو شخصية إلى حد كبير، تناول فيها الأحداث التي عاشها ذلك الشارع، في تلك الأیام العصيبة (بغداد 2006)، التي عصفت فيها الحرب الطائفیة بأهل العراق، الذين قضت مضجعهم الحرب الأهلية، ومزقتهم الأحداث الدموية؛ فالقناص «سلام» (علي ثامر)، وجد في العنف، ومن ثم الموت، حلاً لمشكلاته، وخلاصاً من همومه، وتكريساً لرأيه في الحياة من حوله، وراح ينفث عن غضبه المكتوم في «أحمد» (أسعد عبد المجيد)، الرجل الأربعيني، الذي جاء يطلب يد «سعاد» (إيمان عبد الحسن) للزواج، فأستهدفه «سلام»، تاركاً إياه غارقاً في دمائه، مانعاً أي شخص تسول له نفسه إنقاذه، بمن فيهم «سعاد» نفسها !

الغموض الجميل
هنا يبدو وكأن ثمة سراً وراء استهداف «أحمد»، على وجه التحديد، وهو السر الذي تكشف عنه الأحداث في ما بعد، لكن المخرج لا يكشف كل أوراقه، ويأخذ المشاهد في رحلة مليئة بالغموض، والأسئلة المبهمة، التي تُزيد الفيلم متعة وجمالاً؛ سواء على صعيد الحكي، الذي يقوده «أحمد»، أو الغوص في شخصية «سلام»، الذي يعكس اسمه جانباً من مأساته، التي أصبح فيها مثالاً للعنف الذي تفشى في الشارع العراقي؛ فالضحية «أحمد» كان يعمل لحساب جيش الاحتلال الأميركي، في سجن أبو غريب، ورأى بعينيه الأهوال والفظائع، التي ارتكبها المحتل في حق العراقيين، وعندما أراد جنود الاحتلال إجباره على تصوير شاب عراقي، أثناء اغتصابه عارياً، شعر أنه ابنه، فاستيقظ ضميره، وسجل شهادته بالكاميرا على شريط مصور، لم يجد سوى مجذوب هائم على وجهه في الشارع، ليكلفه بتوصيله إلى «سعاد»، بينما «سلام»، على الجانب الآخر، يعيش جحيمه، وتعصف به همومه، مثلما تؤرقه ذكريات طفولته، وعلاقته الغامضة بعائلته، فيندفع إلى العنف عساه يخلصه من مشكلاته وأزماته النفسية، مدفوعاً بوازع ديني يتملكه، وصراع مؤلم بين ماضيه وحاضره، وضحية واقع قاس ينتمي إليه، ولا يستطيع انتزاع نفسه منه .
إنه الجحيم بعينه؛ حيث الاقتتال الطائفي، الذي زرعه الاحتلال ليسهل عليه السيطرة، أرضاً وجواً، فالصورة السينمائية (سلام سلمان) تنطق بما يجري من عنف، وفتن، وعجز؛ فالفتاة «نادية» (رضاب أحمد)، ابنة «سعاد»، لا تجد مفراً من الالتجاء إلى «دلال» (الممثلة اللبنانية یمنى مروان)، لتقنع شقيقها «أبو مثنى» (علي الكرخي)، أمير التنظيم المحلي المتطرف، بإجبار «سلام» على كف رصاصاته عن ملاحقة من يقترب من «أحمد»، وسحب جسده المُثقل بالجراح، لكن «دلال» تقايضها بجسدها، لتلحق بها في طريق الدعارة؛ بعد ما باعت نفسها، وجسدها، لجنود الاحتلال وأعضاء التنظيم، غير أن «أبو مثنى»، زائغ العينين، المتدثر بعباءة الدين، والغارق لأذنيه في شهواته، يطمع، بدوره، في جسد «نادية»، ومن ثم يفشل في إقناع «سلام»، والسيطرة عليه، بعد ما بلغ ذروة التمرد، ولا يتورع عن قتله، والتمثيل بجثته، إمعاناً في إذلاله، وشقيقته، التي تجر جسده كالكلب !

تمجيد المرأة العراقية
في ظل الهوان، الذي يعيشه الشارع العراقي، من انتهاك، واغتصاب، وعنف، وإذلال، ودمار نفسي وجسدي، يقدم الفيلم تحية للمرأة العراقية الصامدة، في وجه المحن، القوية، في مقاومة شتى أشكال القهر والاغتصاب والإذلال، كما عبرت عنها شخصيات : «سعاد» و«نادية»، وضعيفة النفس، والمغلوبة على أمرها، في شخص «دلال»، وينجح في تكثيف أحداثه، ورسالته، بغير ثرثرة (مونتاج علي رحيم)، وموسيقى تصويرية مؤثرة (رعد خلف)، وحوار محدود للغاية، وتغليب للصورة التي تحتل موقعاً مميزاً بالفيلم، باللقطات البانورامية، التي تصور الدمار، وتداعيات الحرب، واللقطات المقربة، التي تعكس التشوش، الاضطراب، وأزمة البطل الرئيس، وصراعاته الداخلية، وقبل كل هذا وحشية المحتل، وزيف شعاراته، وتورطه الآثم في تعذيب العراقيين، وتجريدهم من إنسانيتهم (انتهاكاته في سجن أبو غريب)، وتأجيجه للصراعات الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، وهو ما نجح المخرج مهند حيال في تصويره بسلاسة منقطعة النظير، وقيادة واعية لأبطاله، وتعاطف كبير مع ضحاياه، وصدق بالغ في رصد المأساة، بلغة سينمائية ساحرة.

مخرج واعد
الطريف أن المخرج، الذي ولد عام 1985، في مدينة الشطرة بالناصرية، ودرس السينما في «أكاديمية الفنون الجميلة» بجامعة بغداد، وتخرّج فيها عام 2010،وقدم فيلماً سينمائياً قصيراً بعنوان»عيد ميلاد»، كان ضمن الاختيارات الرسمية لـمهرجان برلين الدولي عام 2013، وحصل عنه على جائزة النجم السينمائي الصاعد في مهرجان رود ايلاند في أميركا عام 2014، ويشغل حالياً منصب رئيس قسم الإنتاج السينمائي في وزارة الثقافة العراقية، كان متواضعاً للغاية، وهو يصور فيلمه «شارع حيفا» (80 دقيقة)، عندما قال للناقد العراقي علاء المفرجي (جريدة المدى 29/8/2018) : «ربما لن يُشكِّل «شارع حيفا» نقلةً للأفلام السينمائية العراقية الطويلة، برغم أني أتمنّى أن يفعل هذا. لكنّي أنجزته بوفائي للأشياء، وبأسلوب طرحي للواقع. صدقي يجعله عملاً يُشبهنا، ويشبه المدينة وواقعها»، ومن ثم لم يضع في حسبانه، مُطلقاً، أن فيلمه سيمثل نقطة فارقة ليس في تاريخ السينما العراقية فحسب، وإنما في تاريخ السينما العربية المعاصرة بحصده للجوائز الكبرى في كل مهرجان شارك فيه، وآخرها فوزه بجائزة سعد الدين وهبة لأفضل فيلم، وأفضل أداء تمثيلي (علي ثامر)، في مسابقة آفاق عربية، بالدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الأمر الذي يستوجب تقديم التحية للجهة المنتجة (علي رحيم وهالة السلمان)، التي تحمست لدعم وتمويل التجربة / المغامرة.
«شارع حيفا» جسد مأساة العراق، وكل بلد محتل، بلغة بصرية رائقة، وأسلوب سردي أخاذ، تحولت فيه الهواجس، والكوابيس، إلى ناقوس خطر يدق، ويلطمنا على وجوهنا، عسانا ننتبه، ونفيق من غفلتنا، ونُدرك جلياً أن «الديمقراطية لا تأتي أبداً على ظهر الدبابات والطائرات الأمريكية» !

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة