الأخبار العاجلة

شعر في «طليعة الكارثة»*

انّها قصائد لشاعر لم يعهد كثيرون عنه انّه دخل هذا الميدان الكتابيّ من خلال التجريب والتجديد فيه، فبعد أن عرفت الريادة في الفن التشكيليّ طريقها إلى ذات نوري الراوي، فاضت في يوم ما بعشرات قصائد النثر، تلك التي لم ينتبه إليها الكثير من المؤرخين والنقاد، وإلا لكان نال إقراراً بكونه واحداً من أوائل الذين كتبوها.
هنا قصائد الراوي التي نَشرها خمسينيات القرن الماضي في صحف العراق آنذاك، ومنها صحيفة (صوت الأحرار)، والتي جمعها في أرشيفه الشخصيّ تحت عنوان (رَشاش الناعور).
وإذ نعود إلى ذلك الزمن العراقيّ الذي كان بداية لتحوّلات وربّما إخفاقات، لم تكن فيها البلاد بمعزل عن كلّ ما يدور في العالم، حيث البشرية فيه وماتزال، كما تقول قصيدته:» ظِماء إلى الحرية،/ظِماء إلى الحياة/ظِماء إلى السلام» ، لذا نجد أن تقديم هذه القصائد كما نشرت العام 1955، يحرّض على قراءة هذه الوثائق المعبّرة عن ذلك الماضي وما حمله من آمال وخيبات، حينما بلغ حلم شعوب العالم إلى أقصاه، وهم يعيشون تجليّاً كبيراً للروح الثوريّة ومساعي التحرّر، لتكون بوادر تأسيس الجماعات الأدبيّة والفنيّة، إحدى نتائج هذا الحراك السياسيّ وتمظهراته الثقافيّة والاجتماعيّة .
لكنّ نوري الراوي ظلّ يسأل مشكّكاً:»أي ليل هذا الذي يكفنه العذاب؟، وهو يرى «الأرض الحبيبة كـ»القبر الرهيب»، وكأن شاعرنا كان يستشرف العذابات التي تنتظر العراق وجموع البشر من المتطلعين لعيش رغيد في أوطان حرّة.

أدناه مجموعة من نصوصه:
(1)
ذريه يهدأ قليلاً
هذا الرأس المثقل بالأهوال ..
لكأنّك أضجعته على وساد من الشوك
وغدت كلّ إبرة مشرعة فيه تلغ في
دمك المقيت
ولكأنّ الزمان، حملك على منكبيه
مذبوحة الصوت، مرعبة الوجه
بنت ظلام لاقاع له …
أيّتها العاصفة ..

(2)
عندما يهبط المساء
ويبسط جناحيه الرقيقين على الحقل.
حينما تلوح في الأفق الأغبش
ذوائبك الغابيّة
وترسم الكآبة، ظلالها على الأرض
وتنقبض في جوف الصمت
آمال من لازالوا على فراش السهاد
أشلاءً منثورة للمواجع
ينعق غراب أسود القلب،
منطفئ العين،
هاوٍ إلى القاع!

(3)
أيّ ليل هذا الذي يكفنه العذاب
يارفيقة الطريق .
وأيّ سدفة هذه التي يعلكها هذا الأرق .
أرق العيون والنفوس والأفئدة !
إنّ قلب العالم ليضطرب ويغوص في
دجوة هذا الليل
وإنّ بوم الهاوية ليمعن النعيب.
لكأنّ الليل محوكٌ من أجنحة سود،
أجنحة آلاف الغربان

(4)
أيّ ليل هذا الذي ينفثه سدر الضغينة،
ليتجمد آهة سوداء،
على قلب الحياة!
وما لتلك الغصون المشرئبة العارية،
تمعن في إيلامي ..
وما لغراب الظـُلمة بات يقطع السكينة،
بألف منقار !
ياغرابا أجنّـه الليل،
هاوياً من الأعالي
لأنت نذير العاصفة،
لأنت طليعة الكارثة
أنت .. ياذا الجناح الأسحم،
والخفقة الداجية !
والقلب المعصوب بالحقد الصامت
ماأراك إلا تبصق نعيباً
وتلهث لهيباً
وتحثو على الأرض لعنات الخراب !
….

(5)
من وراء الآفاق
تدفق الجشع المسعور
جيوشاً كاسحة
حدثتنا في الليل بتعابير من نار
كفنت سماءنا الضاحكة بالهباب،
وأحالت أشجارنا إلى مشانق،
وأرضنا الحبيبة إلى قبر رهيب.
كانت بيادرنا،
تزين أرض الوطن،
بذهب السنابل،
وكانت آمالنا تطوف حولها،
كطيور فضّية جائعة!
كانت مدننا تضجّ بالعمل كخلايا النحل،
ولكن.. داستها جيوش الغاصبين،
فاستحالت يباباً
لقد أيبست يد البطش الضاري،
غصن الحياة المورق،
في عالمنا الخصيب، ولكنّ عزمنا
الصميم،
ظلّ برغم كل ذلك
يتطاول نحو قمم المُبدعات،
وأذرعنا القويّة،
ما فتأت تشيد،
بناء الغد العتيد
(6)
انظري إلى النجوم وهي تغور
وأشباح الأحياء،
تغرق في يمّ الظلام
هل تسمعين أصواتاً ناقمة كهدير الموج؟
هل تسمعينها،
وهي تشقّ أجواز الفضاء
هاهي تقبل جائرة، عاوية..
هناك وراء الآفاق
جيوش «متمدّنة» تزحف،
كذرات في مدار،
ربطها خيط الأطماع
يجذبها ويرخّيها،
إنّ ضمير «العلم»!
ليلد في مختبرات الذرّة
ألواناً جديدة من الموت،
وهاهو يزجّي من أرضه القصيّة،
رسل العدم والغناء،
ليدكّ قارات من الأحياء،
ليحفر في قلب الطين محيطاً من الدم
لينقش على وجه الأرض جرمه الأبديّ،
وعاره الذي لا يمحى

(7)
تحت جنح الظلام
ودعك أخوك
وندّى شعرك الأثيث
بخضيل من الدمع غزير،
ثمّ مضى ولم يعد،
وما سكنت ريح الحرب ثانية ً،
حتّى سكن في أرضٍ قصيّة غريبة
قلبه الخفاق إلى الأبد،
ولكنّ قلبك أنت،
لم يقف عن الخفق،
فعلقت نظرك في الأفق الكئيب
شهوراً بطولها
ولكن برغم أملك المشنوق
وهدبك المبتل،
وطرفك الذي ظلّ يرعى طرقة الباب،
فقد غاب أخوك
غيبة الأبد
ولم يعد..

(8)
وفي أمسيّة نشر عليها الحزن غبرة الكآبة،
مرّت بعض فلول أدميّة،
تجر سيقاناً نحيلة فوق التراب
غائرة العيون، مشوهة الوجوه،
مسحوقة، مكدودة، منزوفة القوى
فخفق قلبك من جديد،
وحاولت أن تجدي بين هذه الطلول الأدمية،
وجه أخيك
غير أنّ غيمات رقيقة غلفت سماء عينيك،
وهمس في روعك،
ذلك الصوت الرجيم،
ذلك الصوت الذي أرجفه رعب الموت:
انّه لن يعود

* نصّ المادّة التي نشرتها مجلّة “بيت” الثقافيّة الفصليّة في عددها الأول- باب وثائق عن الراحل نوري الراوي العام 2010، ونعيد نشرها هنا بالاتفاق مع هيئة تحريرها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة