الأخبار العاجلة

ألوّح بقلب أبيض

شكر حاجم الصالحي

أقرأ له لأول مرة هذا البوح والحنين , فتبهرني إلتقاطاته المميزة وسلامة لغته الشعرية وجمال صورّه الباذخة الجمال , وليس هذا غريباً على شاب مثله أرّقته ليالي النأي عن الوطن وذكريات النشأة الأولى في الحلة المزيدية وما منحته للثقافة العراقية من عطاءات يشار لها على أيدي مبدعيها الذين ملأوا الدنيا ثقافة ومعرفة وانجازات حضارية كبيرة ’ ويقظان عبد الحميد الحسيني سليل أسرة عريقة لها من الحضور والفاعلية ما يبهج ويثير الأعتزاز , فعّمه الشاعر علي الحسيني وعّمه الآخر الفنان الموسيقي الكبير عدنان الحسيني , عمودان في شجرة مثمرة وابن عمّه نصير علي الدكتور المهندس في فن العمارة والمؤلف المثابر في انتاج الجديد في فنونها , ومجموعة يقظان (( ألوّح بقلب أبيض )) تكريس لأبداعه الذي يقول عنه زميلنا حامد فاضل الذي ترجمه الى اللغة الانجليزية : يقترب الشاعر يقظان الحسيني بومضات ديوانه الشعري هذا من رأي الناقد هربرت ريد , فهو يمسك بناصية الشكل , ويطوّع الأمتلاء الداخلي للومضة ببضعة أسطر مكتنزة بنصاعة الفكرة , التي لا يترك مفرداتها تنطلق من وجدانه الشعري , إلا بعد أن تكمل أدوار استحالتها في عملية الخلق الأدبي , لتحلّق من الذات النصية لأضاءة الأثر الكلي في المعادلة الابداعية لهذه الومضات الشعرية التي يشكل طرفيها الشاعر والقارئ ..
ومع أني أتفق كقارئ منتج مع ما يراه في سطوره التي زينت غلاف المجموعة الأخير , لكني وهذه وجهة نظر شخصية , لا أراها موجهاً قرائياً للآخر وانما هي شهادة حق ازاء منجز يقظان الحسيني الذي أدهشنا وجدد ثقتنا بالأبداع العراقي وتميزه , وكانت عوناً في تتبع مسار تجربة الحسيني وتجلياته التي انتجتها سنوات الغربة والاغتراب في كندا و قطر وأصقاع الدنيا الأخرى ………
وقبل ان أقرأ ومضات الحسيني التي لم يضع لها عنوانات بل وضع لها ارقاماً بدأت في (( 1 )) وانتهت في (( 80 )) وزاد جمالها واتساع فائدتها وانتشارها ترجمتها ترجمة أمينة أبدع فيها الزميل حامد فاضل , وكانت بين دفتّي (( ألوح بقلب أبيض )) شاهدة على ابداع عراقي لشاعر عراقي شاب , انجبته الحلة المزيدية وحاضنتها بابل العظيمة , أقول ان التلويح دائماً ما يكون في الأيدي ولكن يقظان الحسيني يلّوح بقلب أبيض كاسراً التوقع وخارجاً عن النمطي والمألوف , وتلك مهارة ودربة تحسب له , ولكن لنسأل لمن يلّوح الشاعر في الثمانين ومضة التي أتحفنا بها , وبنظرة سريعة وجدت ان الومضات 79,67,65,63,59,58,39,24,19,7,6, كانت تفضح تلويحته لوطن فارقه وعانى من أجله ما يثير في ( روحه الملتاعة موجات الشوق والحنين والتذكر , ليس بلغة البكاء على الأطلال وانما من اجل الأمل بالانبعاث والنهوض وتجاوز المحن , وستكون شواهدنا التمثيلية مصداقاً لزعمنا هذا … يقول الشاعر المبدع الحسيني :
بين عناكب أيامنا
وتنهيدة وطن
سيول جارفة
وفي الومضة (7) :
لنا مع الريح مسار
ولنا ملتقى
ربما تهب ريح وطن
وفي الومضة ((24)) يؤكد الحسيني تعلقه بدفء الوطن :
الناسجات خيوط الامل
حروفاً
هن اوطاننا الدافئة
اذن… فالشاعر لا يرى غير الوطن / الأوطان ملاذاً وحضناً ومستقبلاً رغيداً , وهو الذي طحنته مدن الغربة بوحشتها وهواجس لياليها , فهو يمنّى النفس بـ ( ريح وطن ) وتنهدية وطن مشتهى وبحروف تنسج خيوط أمله في العودة الى مرابع الصبا والشباب بعد ان اذاقته سنوات البعد مرارتها , وجعلته يرى الأشياء من حوله , اشارات دالة على وطنه الذي ينبض في ضميره وفي وجدانه برغم كل السعادات ( الآنية) التي تفيض عليه بهناءاتها ولكن بلا وطن تنّسم في صباحاته طلع النخيل وعاش لياليه على ضفة فراته المنساب بين القرى والبساتين الحالمة , ولست أشك لحظة بأن الشاعر الحسيني يتحرق للقاء أحبته واصدقاء طفولته وصباه وابناء عمومته واترابه وهذا تفضحه ومضاته التي أثارت الشجون وأطلقت الاسئلة في سماوات الترقب والانتظار :
لا تصدقوا ان للموج اجنحة
تعود بنا الى وطن ….
الومضة (39)
ولنقرأ هنا في الومضة (59) وجع يقظان الحسيني وحجمه المتناسل :
يدكِ المشتهاة
لا تضعيها هنا
ولا هنا .. ولا هنا
وجع هنا . ووجع هنا . و وهن هنا ..
في كل ناحية من جسد البلاد
ما أصدق الشعر وما أنبل الشاعر وهو يتوجع لما حل في البلاد , وأي بلاد هي بلاد الطفولة والأيام المورقة والذكريات الجميلة , ولكن برغم كل هذه الأوجاع سيأتي اليوم القريب الذي نرى الوطن مع يقظان الحسيني سالماً معافى بصحوة أبنائه ووحدة تطلعاتهم , فهذا العراق الذي مالان ولاهان ولكن الظروف الضاغطة وسوء ادارته هي جعلته بهذا المآل المؤلم .. ومادام العراقيون قد أدركوا ان خلاصهم ومستقبلهم ببياض قلوبهم فانهم سيلوحون مع الحسيني بقلب أبيض برغم ان الطغاة والمستبدين ومشعلي الفتن والضغائن وسيظل ( الجريان كلام الانهار ) ونقول كما يقول المبدع المتألق يقظان الحسيني :
ندجّن أحلامنا
كي تحملنا الى وطن
لا فرق من الجهة ذاتها
أو من الجهة الأخرى
لأحلامـــــنا ..
وفي الختام أود أن أشير الى ان قراءتي هذه هي تحية لمبدع عراقي حُلّي أصيل أمتعنا بمنجزه ( ألوح بقلب أبيض ) , فكله شعر اختزل معاناة شاعر أكتوى بهجير المنافي , والشكر للزميل حامد فاضل الذي أبدع في ترجمة هذا الأنجاز …..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة