الأخبار العاجلة

عن الطاقة

يؤمن كثير من الناس أن الثقافة هي في الأصل مجموعة عناصر يحتاجها الإنسان لتطوير معارفه أو تحسين ذائقته، وأن هذه العناصر لم تتغير بمرور الوقت إلا قليلاً، بإضافة بعض الفعاليات العقلية والجسدية إليها.
وربما يكون هذا التفسير قديماً نوعاً ما، نشأ في ظل ظروف وأنظمة سياسية وحياتية معينة. ولكن الحقيقة أنه مايزال يجد هوى في نفوس العامة، ويحظى بالمزيد من الاهتمام لدى المعنيين. ولعل وزارات الثقافة في البلاد العربية هي خير مثال على ذلك. فهي لم تخرج عن هذا الإطار بعد. ولم تفعل سوى الاهتمام بمهرجانات شعرية أو أدبية أو إقامة معارض فنية أو العناية بعروض مسرحية، وأحياناً إصدار كتب وعقد ندوات. أما ما عدا ذلك فلا يدخل في اختصاصاتها، وليست لها أي صلة به. حتى لو كان جزءً أساسياً من عملها المهني في السابق، مثل الإعلام!
غير أن مفهوم الثقافة في القرن الحادي والعشرين تغير كثيراً إلى الدرجة التي بات معها التعريف السابق غير واقعي بالمرة.
فالطاقة مثلاً ليست بعيدة الصلة بالجو الثقافي، وليست منبتة الجذور عنه. بل إن العالم يشعر اليوم أنها المحرك الحقيقي للأنشطة العلمية والإنسانية، وأن مقدار ما أحرزته من تطور انعكس على حياة الناس بنحو هائل. فالنتاج الفني والأدبي في العصور القديمة لم يكتب له الانتشار بسبب نقص الطاقة. وجرى تدشين عصر النهضة في أوروبا مع التحول من استهلاك الخشب إلى استغلال الفحم. ولم يكن عصر الأنوار ليقدم أطروحاته التي غيرت وجه العالم، و»هزت أكثر الأعمدة ثباتاً في الكنيسة الكاثوليكية» لولا ظهور طلائع الطاقة الأحفورية في تلك القارة.
إن الطاقة والحضارة مفهومان متداخلان، فبقدر ما يتيسر من الطاقة لشعب من الشعوب، بقدر ما يزداد رصيده الحضاري. ولا غرابة أن تكون أكثر البلدان استهلاكاً للطاقة هي أكثرها تطوراً في جميع المجالات.
ولقد قيل أن تضاعف إنتاج الطاقة سمح بتحرير أعداد كبيرة من الرقيق، في القرون الأخيرة. هذا الأمر الذي كان في حد ذاته حدثاً ثقافياً مهماً. فلما ظهرت الطاقة الأحفورية وخصوصاً النفط، اختفت هذه الظاهرة بنحو كامل.
ربما لا يغفل الكثيرون أن كل الأنشطة الثقافية التي يقوم بها المتحمسون اليوم تستهلك من الطاقة الشئ الوفير. وأن من المستحيل إنتاج فيلم، أو طبع كتاب، أو عرض مسرحية، من دون وجود طاقة كافية. ولاشك أن وجود كميات إضافية منها، سيعمل على توسيع رقعة هذه الأنشطة.
إن الحصول على الطاقة، واستغلالها بنحو صحيح، والتطلع إلى أشكال جديدة منها، لا يخرج كثيراً عن الهم الثقافي، لأنه الشرط الأساس في نمو وتطور صناعة الثقافة في أي بلد من البلدان!
محمد زكي ابراهيم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة