الأخبار العاجلة

لماذا تفتح إسرائيل النيران على «مارتن إنديك»؟

  هاني حبيب*

مسكين السيد مارتن انديك، المبعوث الأميركي للسلام، فقد حاول مجدداً أن ينافق إسرائيل، بادعائه أن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، يتحملان مسؤولية فشل العملية التفاوضية، مسكين انديك، فقد نافق مجدداً، غير انه اتهم بالنفاق ليس لنفاقه من خلال التوازن المفتعل في مسؤولية فشل المفاوضات، بل لأنه اعتمد على مصادر إسرائيلية موثوقة في ادعاء هذا التوازن المفتعل.

من أهم مراكز صناعة القرار في إسرائيل، يعد معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي على رأس المراكز الأكثر أهمية، وبحوثه ودراساته تعد مؤشراً للسياسة الإسرائيلية، ومرجعية أساسية لصناعة القرار السياسي الجوهري في الحرب والسلام، كما أن اللواء احتياط عاموس يادلين يعد من أهم الخبراء في الأمن القومي في إسرائيل.. هذا المعهد تقدم مؤخراً بمقترح للخروج من حالة الفشل التفاوضي، لكن ما يعنينا في سياق هذا المقال، المقدمة التي كتبها يادلين نفسه حول أسباب فشل العملية التفاوضية، معتبراً أن الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، كل منهما يتحمل 40 بالمئة من المسؤولية، في حين تتحمل الولايات المتحدة 20 بالمئة من هذه المسؤولية. والأهم أن يادلين اعتبر استمرار العملية الاستيطانية، هي العنصر الأهم في تحميل إسرائيل تلك المسؤولية في فشل العملية التفاوضية.

ويبدو أن السيد انديك، التقط ما جاء على لسان ومقترح يادلين، لكي لا يبدو وكأنه لا يدرك مخاطر تحميل إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات، يبدو أنه اعتمد على ما جاء به يادلين، للتأكيد على تحمل إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات بسبب استمرار العملية الاستيطانية.

لكن إسرائيل، لم تصف انديك بالنفاق فقط لأنه حاول أن يفتعل توازناً في المسؤولية، هو لصالح إسرائيل قطعاً، بل لأنه كان يعلم أن العملية الاستيطانية ستتواصل في ظل العملية التفاوضية ـ حسب ادعاء المسؤول الإسرائيلي لوكالة رويترز ـ بل ان إسرائيل أبلغت انديك في كل مرة تقرر بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية بالتفصيل، عددها ومكانها، فلماذا هذا «الهراء» بتحميل انديك مسؤولية فشل المفاوضات بسبب هو يعلم انه تم الاتفاق عليه، وكان على علم ودراية كاملة بشأنه.

المسؤول الإسرائيلي، فضح نفسه وهو يهاجم السيد انديك، مشيراً إلى أن المبعوث الأميركي أصرّ أكثر من مرة على ضرورة مشاركة الاجتماعات التفاوضية بين الجانبين، مع أنه يعلم أن هذه الاجتماعات «ثنائية» والغالب أن إصرار انديك على المشاركة في الاجتماعات، كان سبب الهجوم المستمر عليه، خاصة وأن المسؤول الإسرائيلي واصل فضح نفسه عندما قال ان الاجتماعات التي تمت بين الجانبين من دون انديك، كانت مثمرة وناجحة!!

أكثر من ذلك، فإن المسؤول الإسرائيلي السبب الحقيقي وراء استقصاد انديك بهذا الهجوم النادر على مسؤول اميركي، عندما قال هذا المسؤول ان انديك لم يتمكن من إقناع عباس بأن يبدي المرونة المطلوبة لنجاح العملية التفاوضية!! وتفسير هذا القول، أن المطلوب من انديك مهمة واحدة وحيدة، إقناع الجانب الفلسطيني بالاستجابة للاشتراطات الإسرائيلية، وحيث أنه فشل في ذلك، نتيجة للموقف الفلسطيني الصلب، فإنه يستحق مثل هذا الهجوم الذي لا يأخذ بالاعتبار العلاقات الحميمية المشتركة بين تل أبيب وواشنطن، وهو الأمر الذي عبرت عنه مؤخراً مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي «سوزان رايس» لدى زيارتها قبل أيام لإسرائيل من أن واشنطن تستثمر بكل دولار تصرفه على أمن إسرائيل.. مع ذلك فإن الهجوم على انديك لا يشير إلاّ لحقيقة أن الأمر يتعدى المصالح المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى مصالح مطلقة لإسرائيل على حساب الدم والمال الأميركي، ويهودية مارتن انديك وخدماته لإسرائيل عندما كان سفيراً للولايات المتحدة لديها لم تشفع له عندما يتعلق الأمر برؤية الدولة العبرية لمصالحها!!

ولن يرى انديك في الهجوم الإسرائيلي عليه أمراً غير معتاد، ذلك أن هذا الهجوم كان من نصيب الرئيس الأميركي ووزير خارجيته في أكثر من مرة وأكثر من مناسبة، ويشار بهذا الصدد، الى ان هذا الهجوم المكثف لم يكن مجرد رد فعل إسرائيلي على تصريحات ومواقف أميركية، بل انه ممنهج، ومتعمد، ويهدف إلى أخذ الموقف الإسرائيلي بالحسبان لدى مراجعة البيت الأبيض لسياسته إزاء العملية التفاوضية واستئنافها، ذلك أن هناك جهوداً أميركية لاستعادة المفاوضات من جديد بعد دراسة معمقة مستفيدة من التجربة السابقة، وعليه فإن إسرائيل كاستباق لمخرجات هذه المراجعة، تريد أن تضغط على واشنطن للتأشير على مراجعتها لتجربة العملية التفاوضية وبحيث يتم تجاهل الدور الإسرائيلي المؤثر في فشل هذه العملية عند الانطلاق لاستئنافها من جديد.

الردود الأميركية الباهتة، والتراجعات المستمرة عن تصريحات كبار ساستها، شجع الإدارة الإسرائيلية، على المزيد من استهداف ساسة أميركا بالهجوم المستمر، وهذه إحدى علامات تراجع الدور الأميركي، وسقوط الرهان على أميركا، فهي إن رغبت فإنها لا تستطيع، وهذا كان لكي نقف بدورنا كفلسطينيين، ونقيّم مسيرة العملية التفاوضية بالرعاية الأميركية واستخلاص العبر، والعبرة الأساسية هنا سقوط الرهان على دور أميركي نشط ومتوازن!.

ينشر بالاتفاق مع جريدة الأيام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة