الأخبار العاجلة

مسجد في ميونيخ

النازيون.. وكالة الاستخبارات المركزية وبزوغ نجم “الإخوان المسلمين” في الغرب

الحلقة 14

لا يشير عنوان الكتاب الى ما يتضمنه وهو عنوان خادع للوهلة الأولى ويبدو وكأنه فصلا عن بناء مسجد، ولكن الحقيقة أن الكتاب وثيقة مهمة ومفصلة عن حركة أو أسس تشكيل ما يعرف بالأخوان المسلمين وهم مجموعة سياسيية أصولية تتبنى صيغة خطرة عن الإسلام ولعبت أدوارا مفصلية في حياة وسياسات الشرق الأوسط برمته ابتداء من مصر وانتهاء بالعراق وسوريا والأردن والمملكة العربية السعودية ودول الخليج كلها . ولعل أبرز ما شكلته هذه الحركة قضيتين محوريتين استندت اليها دول المنطقة في ناحيتين أولهما : معاداة الشيوعية في المنطقة ومحاربتها عبر وسائل ترتكز على العنف والنضال الشرس في البلدان التي تسربت اليها تعاليمها . أما الناحية الثانية فهي ارتكزت وانتعشت من خلال المساعي الغربية خلال الحرب الباردة والتي تعمل بنشاط حتى بعد سقوط الحلم الشيوعي وانهيار الكتلة السوفيتية عام 1988.
والكتاب يفصل بطريقة مدهشة كيف أنها عملت بالتنسيق مع دول الغرب لمساندتها في مواجهة الشيوعية وقبلها العمل مع جميع الدول التي نشطت في مواجهة الحرب العالمية الثانية . ومن المثير للدهشة كيف أنها تعاونت مع النازيين أولاً ودعمت جهودهم في تشكيل فيالق من الناشطين من الدول العربية وعملت على تدريب تلك الفيالق على السلاح . ولكن عملها ، سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، لم يقتصر أو ينحصر في عملها مع النازيين بل ذهب أبعد من ذلك العمل مع المخابرات المركزية الأميركية والمخابرات الألمانية والغربية عموماً.
وسيجد القارئ بين يديه في الكتاب الذي تنشره الصباح الجديد كيف أنها مع هذا التعاون تلونت بمكر هائل لتتحول في فترات متأخرة الى التشنيع على التيارات الليبرالية في المنطقة ووصمتها بالتجسس لصالح الغرب والمخابرات المركزية الأميركية، بل كل التيارات التنويرية التي نهضت في منطقتنا في أثناء النضال لتمدين المنطقة وتحويلها الى دول متينة ترتكز على الديمقراطية السياسية.
وتعد حركة الإخوان المسلمين بتقسيم العالم الإسلامي والعربي الى ما تصفه بـ ” الفسطاطين ” فسطاط كافر ينكر الخلافة الإسلامية كما جسدها الوجود العثماني الذي استعمر العرب لنحو أربعمئة سنة ويعد ان الهدف الأساسي للاخوان هو العودة الى عالم الخلافة بكل الوسائل بما في ذلك العنف وتأسيس المنظمات السرية . ومن هنا جاءت محاولاتها المتكررة في تشكيل التنظيمات المسلحة والقيام بالاغتيالات لزعماء المنطقة . وفسطاط آخر هو فسطاط المؤمنين وفي مقدمتهم حركة الإخوان المسلمين.

تأليف: إين جونسون

ترجمة: أحمد جمال أبو الليل

لقد حيكت تلك القصص المخيفة ومرة اخرى كان روسي نصار هو من انقذ الموقف فبعد مرور عام على قيامة بالاضطلاع بدور الحاج عمد نصار الى تغيير جلده ليصبح صحافيا اذ صودق على التحاقه بصحيفة النيويورك هيرالد تربيون في باندونغ وفي اثناء انعقاد المؤتمر ابرقت السفارة الاميركية في العاصمة الاندونيسية جاكارتا لتخبر بان نصار يعمل لدى الصحيفة هذا الاسبوع بما يشير الى ان الوظيفة او بالاحرى المهمة تمثل لجنة الوحدة القومية التركستانية- وهي جماعة اللاجئين الاقوى تأثيرا في تمثيل المسلمين السوفييت والتحدث باسمهم فضلا عن ذلك فقد كانت مهمة نصار ممولة من غرهارد فون منده حيث روقبت بواسطته مراقبة لصيقة تلك المهمة التي ادارها ولي قيوم خان احد مرتزقة فون منده هذا وقد ذكر مسؤول وزارة الخارجية الاميركية في طيات البرقية المذكورة انه لا يهتم بأن يرسل المادة التي كان نصار يقوم بتوزيعها في مؤتمر باندونغ نظرا لافتراضه ان تكون واشنطن قد اطلعت عليها بما يشير الى عملها بمهمة نصار ان لم يكن مراقبتها له.
لم تنطل الخدعة على السوفييت اذ قامت الصحيفة السوفييتية تر ود العمل بالهجوم على روسي نصار باتهامه بكونه عميلا امريكيا تم ارساله من المانيا الغربية للمطالبة باستقلال تركستان ومهاجمة السياسة القومية السوفييتية بما يتيح لممثلي الولايات المتحدة في المؤتمر- او بالاحرى عملائها- اساسا لاشاعة الافتراءات وفرصة لنسج الفبركات.
اما مسلمو ميونيخ فقد ادلوا دلاءهم وضر بوا بسهم هجومي ففضلا عن هجوم نصار اقام ولي قيوم خان دعوى باسم لجنة الوحدة القومية التركستانية والتي نعتها بانها قاطرة تحرير الشعوب التركستانية التي خولها التركستانيون لتكون لسان حالهم المتحدث باسمهم.
اما الدعوى – والتي جاءت في صفحات ثلاث- فقد اشارت الى العديد من الحقائق الساطعة بشأن احتلال الروس/ السوفييت والصينيين لتركستان وقد عمد الشيوعيون الى تقسيم الاقليم الى اشباه دول قومية في محاولة منهم لتطبيق مبدأ فرق تسد حيث ناشد نصار في دعواه انشاء لجنة للتحقيق بشان افتقار الاقليم الى الحريات الدينية.
الا ان دور نصار في حرب الدعاية المسلمة كان في بعض الاحايين غامضا خفيا فرغما عن ظهوره الاعلامي خلال موسم الحج (1373 هجرية- 1954 ميلادية) وكذلك خلال مؤتمر باندونغ 1955 الا انه قد اختفى عن المشهد العام في اعقاب ذلك وستمر سنون طوال الى ان يظهر روسي نصار ثانية في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي في اواخر ثمانينيات القرن العشرين كاحد حكماء الاوزبك الذين يحيون في الولايات المتحدة الاميركية او من يعرفون باسم aksakal وحين اجريت حوارا معه في العاشر من ايار/ مايو 2006 بولاية فرجينيا الاميركية كان الرجل في التاسعة والثمانين انذاك الا انه كان نشيطا متيقظا ذكيا حيث استدعى – بيسر- ذكريات واحداثا جرت وقائعها منذ خمسة عقود خلت اذ كانت ذاكرته الحادة تجول بين اماكن واناس من الماضي البعيد.
ان روسي نصار – المولود في عام 1916 بمدينة نمنقان ثاني اكبر مدن اوزبكستان- كان له من الوحشية السوفييتيه نصيب اذ تم ترحيل عائلته الى اوكرانيا سعيا من السوفييت لاجتثاث الطبقة المثقفة واستئصالها من الاقليم وحين اشتعلت شرارة الحرب الكونية الثانية تهرب نصار من الخدمة العسكرية حيث قام بالاختباء لدى احدى العائلات الاوكرانية وعقب اجتياح الالمان للاقليم علم نصار ان الزعيم التركستاني ويهفو الى جمع شتاتها لارساء حكومة في المنفى الا ان نصار قد علم ان شوقاي قد انتدب لمعاينة احوال سجناء اسرى الحرب التركستانية في كل من بولندا واوكرانيا وانه قد اصابته الحمى فتوفى من اثرها عام 1941 ورغما عن ذلك فقد التحق نصار باحدى الوحدات التركستانية وحارب لمصلحة الالمان فاصيب مرتين وقم تم ارسال نصار الى مدرسة لتدريب القادة في اقليم اللورين الالماني ويقع الاقليم حاليا ضمن الاراضي الفرنسية هذا وقد التحق نصار بعد ذلك بالقيادة العليا للجيش الالماني حيث تمكن في الايام الاخيرة من الحرب من الفرار الى النمسا ليصل بافار يا حيث اواه مزارع هناك لمدة شهرين الى ان هدأت فورة الترحيل الى الاوطان المنصوص عليها في معاهدة يالطا اما في عام 1946 فقد عمل ممثلا لكتلة الامم المناهضة للشيوعية بيد انه قد رفض عرضا تقدم به صديقه القديم باي ميرزا هاييت لترك القطاع الامريكي من المانيا الى القطاع البريطاني والعمل لصالح لجنة الوحدة القومية التركسانية وفي اوائل الخمسينيات تم تجنيده من قبل ارشيبالد روزفلت- الابن- مسئول التجسس الاسطوري بوكالة الاستخبارات المركزية وحفيد الرئيس الامريكي تيودور روزفلت وذلك للعمل في الولايات المتحدة الاميركية وفي حوارنا المحت الى تعاونه- ولو على نحو غير مباشر- مع وكالة الاستخبارات المركزية فانتفض مغاضبا ليقول انه انما كان منخرطا في بعض الدراسات الاستراتيجية لحساب وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) ولم يعمل البته في البروباغندا المغطاة وحقيقة الام كان نصار لا يستسيغ امكومليب اذ اخبرني انه لا يحمل لها احتراما فهي سوفييتيه الهوى لا تعبأ بمصالح الاقليات نقيرا.
ان الكثير ممن تحدثت اليهم اثناء قيامي بالاعمال البحثية لاعداد هذا الكتاب يرون انفسهم زعماء قوميين جاهدو كيما تبقى شعلة الاستقلال متوقدة ابان الليالي الحوالك للحكم السوفييتي المقيت اما نصار والذي اضحى – حينها- زعيما اوزبكيا ذا قدر جليل وحكيما مسموع الكلمة فتبقى حقيقة ان يكون جانبا من جهوده قد كرس لخدمة وطن اخر وتحقيق مارب ذلك الوطن غير متماشية مع ذلك القدر الجليل هذا وقد اورد نصار ان امكومليب قد سعت مرارا الى تجنيده لصالحها اذ وعده اسحاق دون ليفين احد اعضاء مجلس الامناء بفيلا رحبة في ميونيخ وعربة اذا ما وافق على الانضمام بيد ان نصار قد ذهب الى انه كان يزدري امكومليب ففي زيارة له الى ميونيخ علم ان اوزبكيا- امان بردى مراد- كان يعمل لدى راديو الحرية اما بردي مراد والذي تعرف اليه نصار اثناء الحرب- فقد ذكر انه لم يكن بمقدوره اذاعة ما يرغب بسبب توجهات امكومليب الموالية للسوفييت وهنا قام نصار بتقريع بردي مراد وتوبيخه صائحا ايها البلهاء بحق السماء لم تخدمون امثال تلك المنظمات؟
اجل قد يكون روسي نصار قد ازدرى امكومليب الا ان القرائن لتشير الى انه كان يعمل لحسابها فالمقالة الواردة في بصحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 15/9/1954 وتلك الواردة بمجلة time بتاريخ 27/9/1945 بشان رحلة نصار لتأدية فريضة الحج قد اوردتا انه قد ارسل بواسطة امكومليب التي صورتها مجلة time بانها منظمة خاصة اما محاضر وقائع اجتماعات مجلس ادارة امكومليب فقد اظهرت ان اعضاء المجموعة كانوا ينظرون الى نصار باعتباره محور استراتيجية البروباغندا المغطاة للمجموعة الى درجة قولهم انعم به من رجل صالح لله در منافعه في مهام عديدة للجنة الاميركية.
وايا ما كانت ولاءات الرجل وايا ما كان مصيره فان توظيف مؤتمر باندونغ للمسلمين السوفييت اللاجئين بميونيخ قد شكل انقلابا اميركيا الى حد التهلل والنشوة اللتين سادتا البيت الابيض ففي اجتماع مجلس الوزراء الاميركي في التاسع والعشرين من نيسان/ ابريل 1955 اورد وزير الخارجية جون فوستر دالاس ان الجميع بادئ بدء قد ذهبوا الى افتراض هيمنة الشيوعيين على مؤتمر باندونغ الا ان الاعمال بالخواتيم اذ اتت الجهود الاميركية اكلها ودارت الدوائر فالايام دول هذا وقد اعتبر دالاس عدم قيام رئيس وزراء الصين شواين لاي باية محاولة للدفاع عن الاتحاد السوفييتي اثناء المؤتمر حدثا ذا دلاله- بالرغم من تعرض الاتحاد السوفييتي لنقـد لاذع حاد بسبب اتهامات بالكولونياليـة وجهت اليك.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة