العلم منار الحياة

-1-
الذين يحبون العلم ويرجون أنْ ينالوا منه القسط الوافر ليسوا بالقليلين ..
انهم موجودون في كل شبر من الأرض ، وفي كل مقطع من مقاطع الزمن ..،
ولكنَّ الذين ينصرفون الى العلم انصرافا كاملاً، ولا تغريهم شتى المغريات عن مواصلة الانكباب عليه قليلون .

-2-
كان الامام الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه – وهو من أَعظم مراجع الدين، وأبرز الفاتحين المجددين في مضامير الفكر والعلم – ممن انصرف بِكُلّه الى العلم، وكان ينفق الساعات الطوال وهو يفكّر ويتأمل في حلّ المسائل العلمية .
وجاءت النتيجةُ باهرةً بكل المعاني، حتى أنَّ جامعة (موسكو) اعدّتْ نصبا برونزياً ، له تقديراً وتثمينا لجهوده العلمية المباركة ، بالرغم من كل الفوارق المعلومة بين منهجه وبين مناهجها ..!!
-3-
وما يقال عن العلم يقال عن الأدب والثقافة …
وقد اكتفى معظم المعاصرين منهما بالحدود التي لا تحرمهممن الانصراف الى اشباع لذائذهم ومُتَعِهم ولو علىحسابهما ..!!

-4-
وقد قرأت قصة طريفة أحببت ان أوردها في هذه المقالة الوجيزة، لِمَا تضمنَتْهُ من إثارةٍ وتحفيز، نحو التوجه المعمّق، والايثار الواضح للجانب العلمي على سائر الجوانب الحياتية …

جاء في التاريخ :
ان يحيى بن يحيى الليثي الاندلسي شدّ الرحال الى المدينة المنورة ولازم ” مالك بن أنس ” إمام المالكية ليأخذ عنه .
وكان في مجلس مالك جَمْعٌ ممن يأخذون العلم منه ، فجاءهم مَنْ يُخبرُهُم بوصول (الفيل) الى المدينة ، فخرجوا فَوْراً لرؤية الفيل، ولم يخرج هو معهم ، وهذا ما أثار انتباه استاذه فسأله قائلاً :
( لِمَ لمْ تخرج لترى هذا الخلق العجيب فانه لم يكن ببلادك ) ؟
فقال :
” انما جئتُ من بلدي لانظرَ اليك واتعلم مِنْ هَدْيِكَ وعِلْمِكَ ، ولم أَجِيءْ لأنظر الى الفيل “
فأُعجب به مالك وسمّاه ( عاقلَ أهلِ الاندلس)
وانتهت اليه الرئاسة بها .
توفي يحيى بن يحيى الليثي الاندلسي سنة 234هـ بعد ان طبّقت شهرته الآفاق

-5-
انّ كل مانراه اليوم من انخفاضات رهيبة في مناسيب العلم والأدب والثقافة لم تكن وليدة صدفةٍ عابرة ، وانما هي نتيجة حتمية لضمور تلك الروح المُثابِرة الصارمة في انحيازها الى جانب إعطاء الاولوية لحقول المعرفة المطلوبة لتدوير عجلة التقدم في مناحي الحياة كلها .
-6-
ان العلم هو آخر ما يُسئل عنه مِنْ قِبلِ سياسي الصدفة فَهمُ أصحاب الرهانات على الولاء السياسي لهم، وليس على الخبرة والكفاءة والنزاهة والوطنية .
وهكذا تفاقمت الأزمات في شتى المجالات ..‏

حسين الصدر

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة