الأخبار العاجلة

تشريعات الثقافة

سلام مكي

في المجتمعات الحديثة، لا يمكن لأي نشاط انساني أن ينال شرعية قانونية أو وظيفية إلا مع وجود قانون رصين، ينظم عمله، ويمنح المنخرطين في ذلك المجال فكرة عن حقوقهم وواجباتهم. ولابد للقانون أن يواكب تطور الحياة، فهو أساسا، انعكاس لحركة المجتمع وتطوره، يستمد فلسفته من فلسفة النظام السياسي أولا ومن المزاج العام للمجتمع. وما وجود سلطة تشريعية، تتولى مسؤولية تشريع القوانين، وتعديل ما يجب تعديله وإلغاء ما يجب إلغاءه، إلا دليلا على أن القانون بحاجة مستمرة للتعديل ومواكبة الحياة التي تمتاز بالسرعة والتغير. والثقافة، بوصفها نشاط إنساني متميز، يمارسه المثقفون والأدباء الذين يمارسون وظيفة جمالية، تتمثل في رفد المجتمع بالأفكار والطروحات التي لا يمكن للمجتمع الاستغناء عنها، ومن جانب آخر، يقدمون وظيفة جمالية تتمثل بطرح النصوص الأدبية التي لا يستغني عنها أي مجتمع ولا دولة. أما لو تناولنا المثقف من وجهة بصورة عامة أوسع من الذي يكتب ويقرأ ويطرح الأفكار، فهو المثقف الذي يقدم حلولا ومقترحات ويقف ندا للسلطة، وخصما للجهل والخرافة. كل تلك الممارسات، تحتاج إلى ضابط قانوني، يؤطرها بإطار رسمي، يحدد واجبات وصلاحيات المثقف من عدة جوانب، منها حدود التعبير عن الرأي، وطرح الأفكار، ومتى تتحول حرية التعبير إلى جريمة وفق القانون.

 ومن جانب آخر، يتمثل الضابط القانوني، بالنص على تأسيس النقابات والاتحادات التي تعنى بالمثقفين والأدباء، وتدافع عن حقوقهم، وتمثلهم امام الدولة في المناسبات. إضافة إلى أن الدولة نفسها، تمارس وظيفة ثقافية عبر وزارة الثقافة. فاتحاد الأدباء ونقابة الفنانين وجمعية التشكيليين ونقابة الصحفيين، ومنظمات المجتمع المدني التي تمارس نشاطا ثقافيا خالصا، لم تتشكل إلا بموجب قوانين. وتلك القوانين، لابد أن تواكب التطور الحاصل في الحياة والمجتمع، لابد أن تواكب حركة الثقافة التي هي في حركة دائمة ومستمرة، ذلك أنها تتبع الأفكار والممارسات التي تتجدد بشكل يومي. وإلا فإن تلك القوانين، غير قادرة على تأدية دورها، في حال لم تكن على قدر من المسؤولية في مواكبة حركة الثقافة. ومن خلال مراجعة القوانين التي تنظم عمل مؤسسات ثقافية، سواء وازرة الثقافة أو اتحاد الأدباء، نجد أن القانونين، شرعا في زمن النظام السابق، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، في وقت كانت الدولة تدار بشكل مغاير ومختلف بشكل كامل عن الوضع الحالي، والثقافة العراقية لم تكن كما هي الآن. فالدولة العراقية، قامت بمراجعة أغلب القوانين، سواء التي صدرت في زمن النظام السابق، أو حتى التي صدرت بعد التغيير، خضعت للتعديل والمراجعة وبعضها للإلغاء.

 لكن قانون وزارة الثقافة وقانون الاتحاد الأدباء، بقيا على وضعهما، حتى أن العبارات الواردة فيهما، تمجدان النظام السابق، وتشيران بشكل واضح إلى النهج الذي اتبعه النظام السابق في إدارة البلد. فهل من المعقول أن يبقى قانون وزارة الثقافة، يمجد النظام ويرى أن وزارة الثقافة تتبع أساليب النظام! هل يعقل أن قانون اتحاد الأدباء، ينص على دعم أهداف ثورة تموز؟ ونظام البعث؟ هذا الأمر يشير وبشكل واضح وجلي أن الدولة غير مكترثة بأمر الثقافة، وأن وزارة الثقافة، وجدت مثلها مثل غيرها من الوزارات، لا يمكن إلغاؤها، كما أنها أحد مكونات الكعكة التي يتم تقاسمها في بداية كل تشكيل حكومة. ولكن السؤال: ماذا عن أهل الثقافة؟ ألا يفترض بهم المطالبة تعديل تشريعات الثقافة؟ 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة