الأخبار العاجلة

الثورات العربية و لهجات لغة الضاد*

شارلوته شميتس وغيدو تسبيش

يتحدث سكان 22 دولة اللغة العربية، وبرغم ذلك فإنهم لا يفهمون بعضهم البعض بالضرورة، إذ أن اللغة منقسمة إلى لهجات عديدة. ولكن الثورات العربية أسهمت بشكل كبير في توحيد اللغة العربية المستعملة في الحياة اليومية، أما بالنسبة للاقتصاد والتقنية فتعمل مجموعة من المترجمين على قاموس إلكتروني متخصص. هنا تسليط للضوء على إسهام الإعلام المعاصر والثورات العربية في توحيد لهجات لغة الضاد، وعلى قاموس أرابتيرم العربي الإنجليزي الألماني الفرنسي المتاح على الإنترنت.
طوال يوم راح سائق تاكسي في القاهرة يتحدث العربية الفصحى فقط مع زبائنه، مدعياً أنه بذلك يحتفل بـ»يوم لغة الضاد». لم يستطع الركاب أن يكتموا ضحكاتهم إلا بالكاد. كان هذا التأثير مقصوداً في ذلك المشهد الذي تضمنه أحد برامج التسلية في التلفزيون المصري.
التحدث باللغة العربية الفصحى أمام الكاميرا يضمن إثارة الضحك؛ لأن لا أحد تقريباً يتحدث بها في الحياة اليومية. بدلاً من ذلك يتحدث الناس عدداً كبيراً من اللهجات المحلية. اللغة العربية هي اللغة التي يتحدث بها السكان من موريتانيا في الغرب حتى عُمان في الشرق. «في المغرب يفهم الناس اللغة العربية ويتحدثون بها أيضاً، ولكن التفاهم مع القادمين من دبي مثلاً يكون في بعض الأحيان صعباً للغاية»، يقول طارق البري، مدير المركز الثقافي المصري الألماني في القاهرة.
ولأن اللغة العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم، فإن استعمال الكلمات العامية في اللغة الفصحى وتحويرها كما يحلو للمرء يعدّ انتهاكاً لقدسية هذه اللغة في نظر البعض. في الحديث اليومي باللغة العربية نجد تنويعات لغوية عديدة متأثرة بلغة المحتلين السابقين أو باللغات الأمازيغية، فاللغة العربية في المغرب والجزائر وتونس، مثلاً، متأثرة بالفرنسية، في حين يغلب التأثير الأنغلوفوني على بلاد أخرى.
تغير اللغة عبر الإنترنت والتلفزيون
ويسهم الإنترنت وكذلك المدونون النشطون، خصوصاً بعد الثورات العربية، في توحيد اللهجات العربية وتسهيل التفاهم بين العرب. كمثال على ذلك يقول طارق البري: «لقد دعم الشباب في تونس الشباب المصري بكل قوة خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. وشرح التونسيون للمصريين كيف يستطيعون التعامل مع عنف الشرطة، لأنهم مروا بخبرات شبيهة في بلادهم».
ويفضل المدونون العرب الكتابة باللغة العربية الفصحى التي تستعمل في وسائل الإعلام المطبوعة. هذه اللغة الفصحى يفهمها جميع القراء في الدول الناطقة بالعربية. ويرى طارق البري أن التدوين غيّر من شكل الكتابة: «لقد تزايد عدد الشبان ما بين عشرين وثلاثين عاماً الذين يكتبون نصوصاً أدبية – وهم يفعلون ذلك غالباً في مدوناتهم. لقد أفرزت هذه النصوص كتباً أيضاً، صحيح أن جودتها محل جدل بين نقاد الأدب، لكنها تحقق أعلى المبيعات».
وتسهم الفضائيات العربية في الوقت الراهن اسهامة مهمة للغاية في توحيد اللغة العربية، فهي تبث برامجها عبر المنطقة العربية كلها وخارجها أيضاً، لا سيما قناة «الجزيرة» و»العربية». ويحاول مقدمو البرامج ونشرات الأخبار التحدث بلغة مفهومة للجميع وأن يبتعدوا عن اللهجات المحلية.

انتشار أبجدية الـ»عربيزي»
في المقابل، يستعمل الشباب العربي على صفحات الفيسبوك وخلال الدردشة خليطاً من اللهجات العامية واللغة الإنجليزية والعربية الفصحى، ويكتبونها أحياناً بحروف لاتينية أيضاً. وكما الحال في اللغة الإنجليزية يمكن في العربية استعمال الأرقام كحروف لكتابة كلمات بنحو مختصر. على سبيل المثال فإن 4u يمكن قراءتها بالانجليزية كـ For you (من أجلك). وتبدو بعض الأرقام كحروف عربية، ولذلك تُستعمل في شبكة الإنترنت للتعبير عن حروف عربية غير موجودة في الأبجدية اللاتينية، وهو ما يُسمى بـ»عربيزي».
وينتقد طارق البري عدم تحقيق تقدم يُذكر حتى الآن في مجال توحيد اللغة العربية المستعملة في العلوم، فما زالت اللغة الإنجليزية هي السائدة في المنطقة العربية كلغة العلم، وهو ما ينطبق أيضاً على أوروبا. ولكن، ليس كل الدارسين يتقنون الإنجليزية بشكل يسمح لهم بفهم المراجع. حتى طلاب الجامعة – الذين يجيدون في الغالب الإنجليزية – لا يفهمون كل المصطلحات الواردة في النصوص العلمية.

قاموس إليكتروني للمصطلحات
وهناك مشكلات عملية تواجه الشركات أيضاً، مثلاً عندما تكون إرشادات الاستعمال لماكينات معقدة غير موجودة إلا الإنجليزية. وغالباً ما تفشل الترجمة إلى إحدى اللهجات المحلية لعدم وجود مصطلح مقبول ومفهوم لدى الجميع مقابل المصطلح الأجنبي.
كيف يمكن، مثلاً، ترجمة مصطلحات ألمانية مثل Wasserkraftanlage أو Schwemmschlammschleuse بنحو صحيح إلى اللغة العربية؟ كيف يمكن ترجمة المصطلح الإنجليزي hydroclone (بالألمانية Zykloneindicker) إلى لغة الضاد؟ منذ سنوات عديدة يعمل طارق البري كأستاذ جامعي مع فريق من المترجمين لسد هذه الثغرات المعرفية تحديداً، وذلك من خلال إعداد القاموس الإلكتروني «أرابتيرم» الذي يتضمن مصطلحات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية.
ومن بين الستة أجزاء المخطط إصدارها، صدرت أربعة أجزاء مُتاحٌ استعمالها مجاناً على شبكة الإنترنت، وهي «هندسة وتكنولوجيا السيارات» و»المياه» و»الطاقات المتجددة» و»الهندسة الكهربائية». وتقدم الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية دعمها المالي للمشروع. وتقوم بتنفيذ المشروع «الهيئة الألمانية للتعاون الدولي» GIZ، بالتعاون مع مكتب تنسيق التعريب في الرباط BCA، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، إحدى منظمات الجامعة العربية.
وتشرف الهيئة الألمانية للتعاون الدولي على إعداد القاموس الإلكتروني (أرابتيرم) لأنها ترى أن التواصل في المجال التقني يكتسب أهمية متنامية بالنسبة للتبادل بين أوروبا ودول الشرق الأوسط والأدنى وشمال أفريقيا. كما تتزايد أهمية التواصل بلا عوائق داخل القطاع الخاص الجديد ذي التوجهات التقنية، وخاصة في موضوعات أساسية كهندسة المياه وتقنيات البيئة. وعلى وفق تقديرات الهيئة الألمانية للتعاون الدولي فإن هناك – بالمقارنة مع الاتحاد الأوروبي مثلاً – نقصاً كبيراً في التوحيد اللغوي في المجال المهني بالدول العربية.
وكان مكتب تنسيق التعريب قد أصدر حتى الآن قواميس متخصصة للغة العربية في شكل كتب. ولأن إصدار الجزء الواحد يستغرق زهاء ستة أعوام، تكون هذه المجلدات في كثير من الأحيان قد تقادمت علمياً لدى إصدارها. عن ذلك يقول عبد الفتاح الحجمري، مدير مكتب تنسيق التعريب: «قبل أرابتيرم كان المستوى العلمي للقواميس العربية متوقفاً عند مستوى سنوات الستينيات في مجالات مهمة مثل تكنولوجيا السيارات. كما أن هناك نقصاً مريعاً في المجالات التقنية الأخرى أيضاً». ويوضح الحجمري أن إحدى مهام مكتب تنسيق التعريب هو الوصول إلى اتفاق في الرأي بين لجان التربية والتعليم في الدول الاثنتين والعشرين التابعة للجامعة العربية، وصولاً إلى دمج أرابتيرم في النظم التعليمية في كل بلد.

توليد كلمات جديدة
في الجزء الخاص بـ»المياه» في قاموس أرابتيرم تم تعريف سبعة آلاف مصطلح ووضعها على شبكة الإنترنت. وتُسهّل الصور والأشكال التوضيحية الفهم. وقد قام فريق المترجمين في مصر بجمع الترجمات الموجودة بالفعل، وفي بعض الأحيان بترجمتها من جديد. ويواجه الفريق تحديات هائلة في هذا المجال، إذ لا بد من التأكد من وجود مصطلح عربي بالفعل قبل دخول أي كلمة جديدة في القاموس، فإذا لم يكن هناك مقابل عربي، يقترح الفريق كلمات جديدة مستولدة على وفق القواعد النحوية للغة العربية، على أن تعطي الكلمة الجديدة المحتوى بطريقة مفهومة قدر الإمكان.
وشارك في المشروع أيضاً «الاتحاد الألماني لإدارة المياه، ومياه الصرف الصحي والنفايات» DWA، وذلك عبر اختيار 55 ألف مصطلح من قواميسها المتخصصة الصادرة باللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية. وفي بعض الأحيان كان يعمل سبعة من المتخصصين، من الاتحاد الألماني DWA فقط، في تعديل الترجمات وتدقيقها.
«تقع المنطقة العربية على أبواب الاتحاد الأوروبي، ولهذا كنا حريصين على ربط المصطلحات العربية بالتعريفات والمصطلحات التي تستعمل على وفق المعايير الأوروبية»، يقول رولاند كنيتشكي من قسم التعليم والتعاون الدولي بالاتحاد الألماني لإدارة المياه DWA. ويضيف: «هذا ما يسهل أيضاً ترجمة المعايير الأوروبية». ومن المخطط له في المستقبل إصدار أجزاء من القاموس بشأن صناعة النسيج والبنية التحتية والمواصلات.
ولقد أظهر تقرير التنمية البشرية 2011/2010 أن نقل العلوم يكون مستحيلاً إذا لم يكن الدارسون والمتدربون يعرفون استعمال مصطلحات دقيقة بلغتهم.
وحول أهمية القواميس المتخصصة يقول توماس فيتشن، السفير الألماني لدى الأمم المتحدة في جنيف، إن «المرء يحتاج إلى دقة لغوية مطلقة في التجارة الدولية، ولدى إنتاج أجزاء من الماكينات المتقدمة تقنياً، أو لدى بناء الجسور، وكذلك عند إجراء نقاشات علمية مع الزملاء، أو لدى تقديم طلب للحصول على براءة اختراع». وقد تم عرض مشروع «أرابتيرم» على وفد عالي المستوى من النواب البرلمانيين العرب، وذلك كأسهامة ألمانية في المؤتمر السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في العام الماضي.
ومن المخطط أن يتم قريباً إصدار استعمال للهواتف الذكية للدخول إلى «أرابتيرم» (تحت: www.arabterm.org)، وهو ما سيسهم في ترسيخ مكانة «أرابتيرم» كقاموس تقني متخصص. كما سيعمل شركاء المشروع في التعريف به وانتشاره، مثل معهد غوته، والجامعة الألمانية الأردنية، وبصورة خاصة مؤسسات عربية مثل «مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل» بالمغرب OFPPT. ولا غنى في هذا الإطار عن وجود شبكة اتصالات، لا سيما بين الأشخاص المؤثرين من المنطقة العربية وكذلك بين المنظمات المانحة.

*عن مجلة التنمية والتعاون/ قنطرة 2014

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة