في الاحتجاجات

لن يحتاج المتابع والمهتم المنصف والموضوعي للشأن العراقي الى ذكاء خاص، كي يكتشف ما يمتلكه سكان هذا الوطن المنكوب من احتياطات هائلة للغضب واليأس والاستياء. احتياطات مستعدة لاطلاق كل انواع الاحتجاجات الغاضبة وسحق كل ما تجده في طريقها، غضب ويأس ممزوج بكم غير قليل من الاحقاد والثارات القديمة منها والحديثة، والتي تفاقمت بشدة بعد سلسلة الهزائم والاخفاقات التي لحقت بهم في مشوار اللحاق بالامم التي انتزعت حقوقها وحرياتها عبر امتلاكها لمؤسسات الدولة الحديثة والتشريعات المعضدة لها. وقد عكست ذلك التظاهرات الاخيرة (1/10/2019) بشكل واضح، عندما جرفت تلك “الاحتياطات” والتي اثارها بشكل ممنهج ضخ اعلامي غير مسبوق، وصراعات المحاور الدولية والاقليمية؛ مسار الاحتجاجات الى مسارب وممارسات بعيدة عن سر قوة وحيوية ونضج مثل تلك النشاطات الوطنية والحضارية أي (سلميتها ووضوحها). لقد اسفرت الاحتجاجات الاخيرة عن سقوط العشرات من الضحايا بين صفوف المتظاهرين وقوى الأمن وآلاف من الجرحى والمصابين، غالبيتهم العظمى من شريحة الشباب والتي دفعتهم أوضاعهم الحياتية اليائسة للخروج على أمل استرداد بعضا من حقوقهم الدستورية المهدورة. بالمقابل وبعد اخفاقها في التعاطي المهني والمسؤول معها، سارعت الطبقة السياسية المهيمنة على المفاصل الحيوية لسلطات البلد، لامتصاص واحتواء هذه الموجة الأشد عنفا وعدوانية عما سبقها من احتجاجات؛ عبر سلسلة من القرارات والوعود المتخصصة بتخفيض منسوب الغضب والاستياء.
لست بصدد الخوض في مثل تلك القرارات والوعود ومدى نجاعتها في معالجة المأزق الراهن، فالايام القريبة المقبلة كفيلة بالاجابة عن كل ذلك. ما يهمنا اليوم هو مساعدة بعضنا البعض الآخر من أجل الوصول الى فهم ووعي واقعي ومسؤول لأحوالنا وقدراتنا الفعلية على تقويم تجربتنا السياسية، لا ترديد وتسويق شعار “الشعب يريد اسقاط النظام” في مواجهة عجز وفشل بنيوي يبسط هيمنته لا على الطبقة السياسية بمختلف تسمياتها وحسب، بل يمتد عميقا الى اغوار المجتمع وما تبقى من حطام المؤسسات الحكومية والنقابات والجمعيات المهنية. اي ان مشكلتنا ليست مع النظام السياسي الجديد الذي يعتمد مبادئ وقيم هي من أفضل ما اوجدته البشرية من تشريعات وصيغ لفك الاشتباك بين المصالح الاجتماعية والسياسية المختلفة، بل مع ما انحدرنا اليه بفعل سلسلة الهزائم والتفريط بالحقوق والحريات والتي انتهت بنا الى كل هذا العجز والفشل الذي يرافقنا على شتى الجبهات المادية والقيمية، وما قرارات مجلس النواب الاخيرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر قرار حل مكاتب المفتشين العموميين الا دليل واضح على ذلك الهروب من مواجهة العلل والقوى والمصالح الفعلية، والتي افرغت هذه المؤسسات من وظائفها الحيوية.
احدى أكثر الاكاذيب رواجاً وفتكاً هي التي تسوق لما يطلق عليه بـ “عفوية الاحتجاجات”، وان سر قوتها يكمن بعدم وجود قيادة منظمة لها، وهو تكتيك استعملته القوى والمصالح الخفية والمستعدة لفتل عنق تلك الاحتجاجات الى المسارب التي حذرنا منها غير مرة. من المعروف عن الكتل المتنفذة في العملية السياسية الحالية انها فاشلة وعاجزة في كل ما زاودت به من وعود، الا قدرتها في اعاقة بعضها البعض الآخر، وهذا ما تدركه وتتعاطى معه بدهاء القوى والجماعات التي لم تكل أو تمل يوماً في مساعيها لتقويض النظام الجديد برمته. لا احتجاجات من دون قيادة واعية ومجربة وقائمة مطالب واضحة وواقعية، تنتصر لقيم النظام الجديد لا اعدائه المتسترين..

جمال جصاني

مقالات ذات صلة