الأخبار العاجلة

أنا وليلى على فنجان قهوة والمجالس البغدادية

ملهم الملائكة

في رأس شارع أبو قلام بالكرادة ينمو بهدوء ركن معني بالثقافة والنشاط المدني، يتجمع فيه الباحثون عن كلمة مفيدة وفكرة تائهة وخاطرة معبرة. مقهى خرج من جوف عمارة وتمدد على الرصيف وعلت واجهته يافطة «أنا وليلى»، فيما تسامت «رابطة المجالس البغدادية الثقافية» لتستقر أعلى بناية اسموها منتدى الربيعي الثقافي. أما لماذا «الربيعي»، فيكشف الربورتاج التالي عن كل القصة.
لعل الأصح أن نسميه «رواق الربيعي»، فالمكان يتوزع على عدة مبانٍ، على جانبي شارع الكرادة داخل في ركن مقابل لأبي قلام الشارع العريق الذي انتج آل الملائكة. فقد قرر صادق جاسم الربيعي فجأة أن يتحول من عالم المال ورجال الأعمال الضاج بالورق الأخضر ومليارات الدنانير والسفر والأضواء إلى عالم الفكر والوعي والفن الذي لا يلتقي قط بالعالم الأول.
ولكي نعرف ما هي بالضبط رابطة المجالس البغدادية الثقافية، لابد من زيارة المركز الثقافي البغدادي في منتصف الفاصلة بين شارع المتنبي وسوق السراي. المبنى القديم الذي اعيد تأهيله فبات يضم عدداً من القاعات، منها قاعة أرض الرافدين، قاعة دار السلام، قاعة مصطفى جواد، قاعة نازك الملائكة، قاعة علي الوردي، قاعة جواد سليم، مركز المتنبي الصغير وقاعات أخرى متعددة النشاط.
كل جمعة تضم أغلب هذه القاعات التي توزعت على طابقين، نشاطات متعددة، يتوسطها لقاءات ونشاطات أخرى فردية غالباً تعقد في باحة المكان الذي بني على طراز بيت شرقي قديم مربع يحتوي على طارمة (باحة) في وسطه.
يفضّل صادق الربيعي أن يعرّفه الإعلام بعنوانه أديبا، وهو كذلك حقاً، لكن رعايته للأدب وأهل الفن والناشطين تأخذ المساحة الأكبر في نشاطه. التقيناه في مكتبه «رابطة المجالس البغدادية الثقافية» المطل على صخب شارع الكرادة الشرقية. المكتب الفسيح هادئ رغم صخب الكرادة، تتصل به قاعة صغيرة تقام فيها فعاليات متنوعة. فيما تحفل الجدران ورفوف المكتبات بمنشورات وكتيبات وكتب وبدروع تكريم ومشاركات أدبية وثقافية وفعاليات متنوعة للمجتمع المدني. سألنا الربيعي متى بدأ اهتمامه بالنشاط الثقافي، وهل غادر عالم المال إلى الثقافة، فقال:
في عام 2002 توفي والدي الذي كان أديبا وقد خلف 16 كتابا منشوراً، فاتجهت إلى أن اتابع مسيرته الفكرية والثقافية، وظلت تلك النبتة تكبر وتنمو، حتى باتت رابطة المجالس البغدادية تضم تحت جناحيها 32 مجلساً ثقافياً في بغداد وحدها، علاوة على نشاطنا في محافظات الناصرية والنجف وكربلاء والكوت.

هل أنت اليوم متفرغ لرعاية النشاط الفكري والثقافي، أم تقسّم وقتك بين الثقافة وعالم المال؟
حتى عام 2010 كنت أقسّم وقتي بين الأمرين، لكني اليوم أوجه كل جهدي للمشهد الثقافي، ليس مجرد عبر رابطة المجالس البغدادية، بل عبر فعاليات عديدة، علاوة على نشاط منظمات المجتمع المدني. عملي اليوم يأخذ مني 12 إلى 14 ساعة في اليوم. علاوة على ذلك أكتب بحوثاً ومقالات، وشعراً بالفصحى والعامية، ونصدر كذلك مجلة «المجالس البغدادية» الشهرية التي تصدر منذ عام 2010، وسنصدر خلال أيام جريدة بنفس العنوان. المجلة معنية بتغطية المجالس والرابطة، كما تنشر نتاجات نراها مهمة بهذا الاتجاه.

كيف تعيش الانتقال من عالم المال الباذخ الغارق بالترف والسفر والانشغال إلى عالم الثقافة المتسامح الهادئ المتواضع ؟
جرى هذا الانتقال من عالم الهواء المسموم (السياسة والمال) إلى عالم الثقافة نقي الهواء بعد أن عملت لسنوات طويلة، وبات لدي ما يكفي من المال لأنفقه على الثقافة دون أن أعمل. الثقافة غذاء الروح، أما المال فهو غذاء البدن والمجتمع بالدرجة الأولى.

كم تنفق من المال لتغطية نشاطك ونشاط الآخرين تقريبا؟
في البداية كنت أنفق شهريا بمعدل 5 مليون دينار للشؤون الثقافية، ولكن دخل الرابطة كثير من المعنيين وباتوا هم أيضا يشاركون بالدعم المالي، فصرت أصرف الآن نحو 3 مليون دينار شهرياً لهذا النشاط. والحقيقة أني لم أنجح في استقطاب أصحاب رؤوس الأموال، فعالمهم بعيد عن عالم الثقافة والفكر، هم يرفضون ويصفون النشاط بأنه «لا يوكل خبزاً». أنا أؤمن أنّ الوطن جريح روحياً ونفسياً، واذا لم يقم أبناؤه لإنقاذه وعلاجه فمن سيقوم بذلك؟

كم تنفق من يومك في القراءة؟
وقتي لا يسمح، فأنا مشغول جدا، ولا أقرأ إلا لمواكبة الأعمال الفنية والأدبية التي نناقشها في المجالس. لكني أكتب أحيانا، ولدي ديواني شعر غير مطبوعين، ولدي كتاب «موسى الكليم في القرآن العظيم» وهو كتاب اجتماعي وليس ديني، ويتحدث عن الحياة الاجتماعية للأنبياء، وقد منحت النبي موسى هذا الاهتمام وخصصت له العنوان نظراً لأنه يشغل حيزاً كبيراً في القرآن، فقد ورد ذكره في 126 آية، فيما ذكر النبي محمد «ص» 3 مرات فقط. وفي كتابي هذا تقصيت أخبار بعض الأنبياء، وبالذات الأنبياء أولي العزم.

هل تدعمون نشاطات الموسيقى والغناء؟
ندعم جلسات المقام العراقي وما يتبعها في المقاهي التراثية، الزهاوي والشابندر وأم كلثوم. وندعم مسرح الشارع، وننظم له جلسات في المركز الثقافي بشارع المتنبي. المسرح الذي يقام في الهواء الطلق، قد يتسع ل 200 كرسي، عدى عن الواقفين من الجمهور، كما لدينا مسرح سامي عبد الحميد المسقف داخل المركز. المركز الثقافي تابع لمحافظة بغداد، وهي التي تنفق عليه، وعلى مبناه. نحن نتولى تنظيم الشؤون الثقافية والانفاق على تنظيمها.
هل تدعمون الفنون التشكيلية؟
كان لنا عدة معارض تشكيلية، ومعارض صور فوتوغرافية، وسنقيم مهرجاناً في شهر تموز المقبل يتضمن معارض من هذا النوع. ونحن نساعد الفنانين التشكيليين لعمل معارض في بغداد. أما المعارض الدولية، فتنظيمها مكلف، وكما قلت لك فإنّ التمويل شبه معدوم، وما نقدمه نحن المنظمين لا يكفي لتنظيم معارض تشكيلية دولية.

تحاول القوى الدينية في العراق أن تمسك بزمام المشهد السياسي والثقافي، أين تقف أنت من هذا؟
أنا أقف على التل، القوى دينية قد فشلت في قيادة الشعب، والفشل سيدفع الشعب لرفضها، ورفض منحها فرصة أخرى. ولطالما طلبوني وأرسلوا لي مراسيل، ولكني أنأى بنفسي عن السياسة اليوم، كما نأيتُ عنها في عهد النظام البائد.

هل لديك نشاط في مجال المجتمع المدني؟
الكارثة التي ضربت العراق في حزيران 2014 بدخول تنظيم داعش الإرهابي، أجبرتنا أن نترك الثقافة ونتجه إلى النشاط المدني والإنساني، فهرعنا إلى إغاثة أهلنا في المحافظات الشمالية والغربية، وكان ذلك واجباً علينا، وقد دعمناهم على مدى 3 سنوات بالغذاء والدواء والعتاد. كما أنفق على الأيتام والأرامل في بيوتهم دون إعلان. ومن ناحية منظمات المجتمع المدني المعروفة، منظمة إقرأ، عراق السلام، بيت تركيب، المحطة، وغيرها فهم يرعون أنفسهم وليسوا بحاجة لدعمنا. المحطة بالذات لها راعٍ كبير جداً. ولا بد من المقارنة هنا بين الحرية التي تنعم بها النشاطات الثقافية والمدنية، وبين ما كان الوضع عليه في تسعينات القرن العشرين. حيث كان والدي قبل أن يطلق أي نشاط ثقافي يُعلم الجهات الأمنية، فيحضر أحد عناصر الأمن ويجلس إلى جانب الحاضرين في الفعالية. أما اليوم فكل الحريات مطلقة ولا وجه للمقارنة بالوضع السابق.

كلمة أخيرة؟
للناشطين والمثقفين أقول إنّ السياسة تبعّد وتخرّب، فيما الثقافة تقرّب وتحبّب، وأدعو المثقفين والناشطين إلى نبذ المواقف السياسية وتبني مواقف ثقافية، فخدمة الثقافة تعني خدمة الحضارة العراقية.

بغداد- 2019

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة