الأخبار العاجلة

(رنين النهر) وتعدد الرؤى

علوان السلمان

القص القصير..الفن المتفرد(بعمق معناه في البسيط من الحدث) فعل ابداعي وضرب متميز من التقنية الفنية التي تقتضي وعيا استثنائيا ومعرفة للمعنى.. يحققه منتج عبر لغة تختصر المسافات لتحقيق عوالم تسعى الى تجاوز المألوف من خلال الصراعات وتعدد الرؤى باعتماد (الحدث والشخصية والزمكانية والحوار بشقيه الذاتي والموضوعي) عبر استهلال مستفز في رسم السياق النصي مع استغراق في عوالمه لتحقيق المتعة الجمالية والمنفعة الفكرية من خلال الاجابة على الاسئلة.
والقاص كمال لطيف سالم في مجموعته القصصية (رنين النهر) التي شكلت عنواناتها عتبات ومنافذ مؤدية الى ارحام نصوصها التي هيمن التركيب الاسمي عليها.. والصادرة عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق/2019، كونها تجربة واقعية تعتمد الحبكة والنزعة السردية المتلكئة على الاستهلال السردي والعقدة الدرامية والانزياح مع ضربة مدهشة تحرك الخزانة الفكرية للمتلقي..فضلا عن اشتمالها على سردية جمعت ما بين القص القصير والقصير جدا(الومضة او اللحظة غير القابلة للتأجيل..)..وهي ترصد مواقف حياتية ولحظات هاربة بايحائية تعبيرية تعتمد التكثيف على مستوى الصورة والدلالــة.. فهي تنهل من المألوف لتسمو به الى مستوى الاشكالي بلغة موجزة العبارة..مسكونة بالمفارقة والدلالة الاشارية الرامزة التي تقترب من بنية اللغة الشعرية ـ المتمردة على المعيارية ـ والتي هي الوعاء المادي الذي يكتسب فيه النص وجوده الواقعي ، (حدق بحافة الجرف الغريني ثم نزل بصره فوق صفحة الماء المتماوج..كان ثمة لمعان لازوردي ينعكس من قطعة آجرية سقطت من جدار انحدر نصفه غاطسا في القعر الذي يتردد في رنين خفيف..
نهض من جلسته الطويلة خلال الليل البهيم..كان يعي ان تصلب عضلات صدره بسبب الهواء الرطب الذي يحمل زفرة السمك الهارب من شباك الصيادين..
قرر ان يغادر المكان بعد ان أمضى سنوات لا يعرف عددها كان القارب الذي قرر ان يستقله الى اماكن مجهولة يرتفع وينخفض صعد في القارب بعد ان القى بملابسه وصندوق صوره القديمة في النهر وترك المجاذيف عند الجرف ومضى مع قاربه منحدرا مع تيار المياه وهو يراقب ملابسه وصندوقه الذي اخذ يغطس رويدا رويدا) ص84 ـ 85.
فالنص يستند الى مقومات السرد وخاصياته الفنية، فثمة حدث وشخصية وفضاء مكاني وبنية زمانية ..اضافة الى تميزه بقدرة التكثيف وتعدد حقول الدلالة الباعثة للتأويل عبرلغة ايحائية رامزة..مع تركيز على مقومات المستوى الفني والجمالي والخطابي والتي انحصرت في التنقيط دلالة المسكوت عنه والتي تدعو المتلقي كي يكون مشاركا في بناء النص.. اضافة الى توظيف التركيب الجملي الفعلي القصير الموحي المعتمد السرد الحركي المتعاقب والمتميز بالتوتر الذي فاق الجملة الاسمية الدالة على الثبات والديمومة وبطء الايقاع الوصفي.
(كان يجلس قبالتها، شيء مستحيل..سنوات قاحلة مرت من دون ان يصل..دروب شاحبة متعرجة وطرق سحقتها العربات..دير غريب يشمخ وسط صحراء موحشة كان يبحث عنها من دون جدوى..سنوات الريح العاصف مرت وها هو يجلس قبالتها في غرفة واحدة يحدق بها..يتنفس من خلالها..وجهان التقيا ولكن وجهان هرمان…) ص10
فالنص يصور الاغتراب الانساني ذاتيا ومكانيا عبر موضوعاته التي تعكس عالما تراجيديا محبطا..كونه يقدم ذاتا في عالم مادي مستلب زاخر بتناقضاته الجدلية السلبية التي تغرق الانسان بدوامة من الازمات النفسية..بتوظيف اللغة التصويرية المكثفة مع ايقاع منبعث من بين ثنايا الالفاظ ورؤية عميقة مفعلة جماليا وخالقة لصورها المستندة الى التلميح بالاشارة والتكثيف واستعمال المجاز والاستعارة..مع تعاقب سردي شكلته جمله الفعلية المتعاقبة وتسلسل حدثي يكشف عن سردية تصاعدية..تنتهي بضربة مفاجئة مدهشة تحدث توترا وانفعالا لنسقها الدلالي وتبعث على التأمل بفتحها آفاق التأويل مع اضفاء جمالية دلالية على النص لما تكتنزه من معنى..
(ارتدى ملابسه التقليدية..سترته الطويلة وبنطاله الفضفاض وحذاؤه الطنبوري وسدارته التي تغطي رأسه وتتهدل فوق اذنيه النافرتين..صفر فرحا وهو يتطلع الى المرآة القديمة وتأكد من هيئته التي رضي عنها تحسس ذقنه كانت لحيته قد نبتت قليلا..فكر ان يحلق ذقنه ولكنه ارجأ ذلك الى العصر..فالوقت ما يزال فيه متسع..سيجلس في مقهى البلدية كي يعدل ابيات معلقته ويعرض القصيدة على الشاعر عبدالقادر رشيد فهو صديقه وكاتم اسراره..وضع القصيدة في حقيبته وتهيأ للخروج..وعندما فتح الباب حدقت به عنشة بعين صقرية وانف أخن وكشفت عن اسنان تشبه الرماح المسننة وبصقت في الهواء وقالت بصوت ابح: هم يعجبه الذبان يفسي..) ص55 ـ ص56
فالقاص يقيم صراعا عبر حوار داخلي ..تأملي مع الزمن بخطاب تتداخل فيه السردية واللغة الشاعرة ببنية درامية متنامية..اضافة الى ذلك فهو يعالج شكلا من اشكال الاسقاط النفسي..مع محاولة اضفاء مسحة من الترميز على النص وهو يصور هواجس بطله الداخلية..فضلا عن توظيف عنصر الحركة الذي يشكل احد معطيات المستوى الحسي للغة القاص التي وظفت الاشياء بطريقة موحية اسهمت في تطوير البناء الدرامي للسرد..اذ توظيف الجزئيات للكشف عن دخيلة الشخصية وتطوير الحدث وهو يعرض الظواهر الاجتماعية مع تركيزه على الجوانب المعتمة في الانسان انموذجه الذي يبرز كوحدة اساسية بتكنيك يكشف عن نفسه من خلال رحلته مع شخوصه وعوالمها..
من كل هذا نستنتج ان القاص عبر مجموعته التي حملت بين طيات دفتيها نمطين من القص اولهما.. القص القصير وثانيهما القص القصير جدا للتعبير عن الذات والذات الجمعي والموضوع بلغة بلغت اقصى طاقاتها الابداعية بتدفقها المكثف والمعبر عن لحظة شعورية او واقعية او متخيلة..مع تفاوت البناء الفني والجمالي وتباين النوع والكم والحجم والحبكة السردية..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة