الأخبار العاجلة

ديمقراطية المراحل

حاول النهضويون العرب في منتصف القرن التاسع عشر التبشير بمبادئ الثورة الفرنسية في البلاد الخاضعة للدولة العثمانية، وأولوا العرب وهم الأمة الأكبر في هذه الدولة باهتمام خاص، لكنهم لم يدعوا للاستقلال، فالدولة القومية لم تكن قد نضجت في أرجاء المعمورة حينئذ. ولم يحضوا على الانفصال، لأن مثل هذه الفكرة لم تكن قد راجت في بقاع الأرض بعد.
كان مع هؤلاء، في سلوكهم هذا، الكثير من الحق. فالثورة الفرنسية لم تنجح تماماً في نشر شعاراتها الثلاثة (حرية، عدالة، مساواة) على الفور، وجرى اختطافها مرات عديدة على يد أباطرة وزعماء تولوا السلطة بعد نجاحها مباشرة.
ولو حدث أن النهضويين العرب نجحوا في إقامة امبراطورية عربية ذات حكم ديمقراطي كذاك الذي دعت إليه الشعارات أعلاه، فمن غير المحتمل أن يحصلوا على نتيجة أفضل من تلك التي حصل عليها الفرنسيون على امتداد القرن التاسع عشر. أو تلك التي قادت إليها ثورة المشروطة في إيران عام 1905 أو ثورة الدستور في تركيا عام 1908.
بل إن المساواة الحقيقية التي دعا إليها الفرنسيون لم تتحقق في بلادهم إلا في وقت قريب. فقد كان من شروط الحصول على حق التصويت في النصف الأول من ذلك القرن أن يمتلك الناخب مقداراً محدداً من المال. أما في النصف الثاني منه فقد سمح لجميع الرجال الراشدين بالتصويت. ولم تنل المرأة هذا الحق إلا في القرن العشرين!
ولو أن دعوة هؤلاء النهضويين استجيبت بقدرة قادر، واعتمد العرب دستوراً تحررياً، لوقع أجدادنا في كوارث اجتماعية جمة، ولابتلوا بمآسٍ إنسانية كثيرة، ولانقلبوا عليها بعد وقت قصير. لكن الله ستر وتأجلت القضية إلى زمن الاحتلال البريطاني – الفرنسي. فجرت فيه أولى محاولات الحكم الشعبي. وكان الناس وقتئذ يجهلون معنى المشاركة السياسية الحقيقي، فلم يستفد منها سوى ملاكي الأرض والعسكر. لكنها استطاعت تغيير حياة السواد الأعظم من الناس، الغارقين في الفقر، والجهالة، آنذاك.
لقد أدت هشاشة النظم التي قامت على أساسها إلى تغلب الجيش على السلطة، ومصادرة حق الناس في التصويت. لكن الديمقراطية عادت من جديد في بلادنا العربية في هذا القرن لتساير الموجة، بأحدث ما صدر من الأنظمة والأفكار والقوانين في العالم. لكنها أخطأت الهدف، وظهر أنها لا تتلائم مع أمزجتنا . فوقعت في ذات المشكلة ولكن بالمقلوب!
حينما نقفز على المراحل، ونختصر الزمن، ونتجاهل كل ما حدث، فإننا نرتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه أجدادنا من قبل، ونتصور أن استعارة تجارب الآخرين هي الوسيلة المثلى للتقدم.
هذه الديمقراطية لا تلزمنا لأنها تفتقد إلى العدالة الحقيقية النابعة من فهم معنى العدل. وتفتقر إلى المساواة التي تحترم الانتماء العرقي والديني والقبلي، ولكنها لا تصر عليه. وتسئ فهم الحرية التي تحولت بسببها إلى فوضى قاتلة لا نفع فيها ولا حياة.

محمد زكي ابراهيم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة