قوافل الغرباء في.. «حفنة دولارات ملطخة بالدم»

يوسف عبود جويعد

ما يميز المجموعة النثرية الشعرية (حفنةُ دولارات مُلطخة بالدم) للشاعر رضا المحمداوي، أنها لم تثقل كاهلها، وتشوه ملامحها، وتربك حركتها الإيقاعية الانسيابية، أو موسيقاها، أية دواخل مؤثرة، مثل: الإهداْ، التمهيد، المقدمة، وهي خطوة صحيحة، لنولج النصوص الشعرية دون عائق، ونعيش فضاءاتها دون عراقيل، وتشير لنا بنية العنونة الى النسيج الملون الذي يضم كل النصوص الشعرية التي ضمتها هذه المجموعة، بالرغم من وجود نص شعري ضمنها يحمل هذا العنوان، كون إن حفنة الدولارات تلك هي إشارة دلالية واضحة لوجود من يتعامل بهذه العملة (أي امريكا)، وهي السبب الاول في هذا الخراب الذي حدث في البلاد،والإنكسارات النفسية الكبيرة التي حلت بنا بعد أن وطأت أقدامهم أرضنا المقدسة، فحملت معها رياح عاتية عاصفة زمهرير همجية، ودخان أسود، وغيوم تقطر دمعاً اسوداً، وحروب ونيران مشتعلة وقوافل من الغرباء، وسرفات ثقيلة خطت جروحاً عميقاً في جسد هذا البلد، ومن هنا بدأت ملامح التغيير نحو الأسوء تجتاح كل بقاع ارضنا الحبيبة، ومضت هذه الارتال تدمر كل معالم الجمال والحب فينا، وما عادت تلك الحياة التي نحبها ونريدها، لأنها تلطخت بالدم، ومن بين كل هذا الذي حدث وشكل نقطة سوداء حالكة السواد، ينطلق الشاعر رضا المحمداوي ليصوغ نصوصه الشعرية، صوت يظهر من باطن هذه الارض، ليذكرنا بماحدث ويحدث بلغة شعرية حسية حالمة عميقة، وبمفردات إنزياحية لها دلالاتها ورموزها وصورها التعبيرية، التي تتحد وتتوحد وتتعانق وتنصهر لتقدم لنا وحدة موضوع متماسك، وثيمة تشير الى عوالم الخراب، والذي من خلاله نكتشف معالم الجمال الذي فقدناها، فننتقل الى عالم الشعر وسموه ورفعته وسناه واحلامه وخياله وامانيه وافكاره، ننتقل لى واحاته وزهوه، ونحن نطوف في حب البلد ونناجيه، وننتقل مع تلك المفردة التي انتقت بتأن وهدوء معبرة عن مضمون النص الشعري ونبحر معه وسط الامواج المنبعثة من أعماق الروح.
وفي قصيدة ( خطوات على جسر الريح) وهي القصيدة الاولى في هذه المجموعة، وهي مطولة تضع أمامنا الوقائع والاحداث التي حلت في البلاد، وما إشارة الجسر الا دليل على إنقطاع حبل الوصل وإنعدام الوصل والاتصال بمعالم الحياة التي نحبها، وهي محاولة للعبور الى الضفة الاخرى، الا أنها محاولة فاشلة، بسبب كثرة الموانع والحواجز والعراقيل، وهي إشارة ايضاً لفاجعة جسر الائمة التي راح ضحيتها الآلاف غرقاً عندما سقطوا في النهر، وكذلك مخلفات الوجع والدمار لدخول الغزو الامريكي، إنها طواف وسط ركام هائل من الخراب:
عَبروا الجسرَ دَوْنَ لهاث
وإنقطعوا عن حبل الكلامُ

  • ما عَبَروا…
  • عَبروا.. وخلفونا بَعْدَهم
    نجمعُ الخطى
    من ميراث الريح
    ونبيع أنفاسهم
    للمتسولين…
    على قارعة الطريق
    فإنتزع يا أبي من ساقك العرجاء
    رصاصة فُسدتْ
    وامنحها لجامعي شظايا الحروب
    وفي موطن آخر من هذا النص النثري الشعري المطول، نتعمق أكثر عبر إنثيالات وتداعيات شعرية غارقة بالانسيابية والايقاع المتزن والموسيقى، التي تشكل خطاً مسانداً للنص، لنستكشف مضمون هذا التدفق:
    لماذا كُنتم تهرولون خلفنا
    ونحن نسيرُ حفاةً
    على غير هدىً
    في الشوارع والصحارى؟
    ولماذا ترسلون لنا حمائمكم
    كي نغتسل بدمائنا
    وتدّلَ السماء الحزينة على قوس الخراب
    بَعَدَ أنْ أصبحتْ طرق الموت حافلةٌ
    ببقايا احتراق مآذننا
    وبريق القلق الأميركي المُهذب؟
    لم يمسحْ التاريخ صفحاته
    من عبث الدماء
    ولم يمسحْ آثار نقص الخبز
    باشتهاء البرتقال
    فمن يمسح غبار الوقت عن جبين السؤال؟
    وفي قصيدة (أغنية للبلاد التي إتسعتْ) تتوضح رؤية الشاعر أكثر، ونكتشف هول الفاجعة ونتحسس على جراحاتنا، وإنكساراتنا، فنعيش مع ملامح نص يقدم لنا الحياة بصورة موت، والموت بصورة حياة، عبر تراكيب دلالية موحية وعميقة وحس شعري ينبع من النص متدفق كشلال هادر:
    من أجل ماذا
    يتساقط الوردُ الأبيض على جسدي
    وتزورني الطيور
    ويدعوني القمر إليه؟
    أهيَ نبؤةُ موت
    أم إشارة إنبعاث جديد؟
    الورد الابيض يعني كيس ابيض
    في مقبرة مدفونة
    وتغريد الطيور
    دوي إنفجارات هائلة
    ودعوة القمر
    إختناق السماء بالدخان
    وفي مكان آخر من هذا النص تتأكد لنا تلك الرؤيا أكثر، وتبرز أمامنا حقيقة آثار ما خلفه هذا الغزو:
    وما عُدنا بحاجة إلى قنابل الدموع
    أيها الأميركي
    فلا ترّش ملحَ أيامكَ
    في مآقينا
    إنتظرناكم أيها الغزاة
    وكنا على أطراف مُدن الرملِ
    والماء
    نُغني……..
    البلاد شاسعة
    ونحنُ أضيق ما نكون
    سقطت نجمة
    نجمتنا البهية
    وفي محاولة واعية وفلسفية يقدم لنا الشاعر قصيدة (إكتمال) من أجل الوصول الى معالم الحياة التي نريدها، وصراع من أجل الخروج من شرنقة الضيق التي طوقت أعناقنا، الى الضياء، إلى الشروق، الى الشمس المضيئة:
    لكني بَعْدَ كل موت استفيق
    اقرأ دروبكِ
    وأعطر بابكِ بالحناء
    وأغني لكِ
    لا تهمني هالة الدمار
    على أرضي
    ولا أختناقات النهار
    أمضي الى المدن التي تَفهم إنتشاري
    في المدى البعيد
    أغنياتي يابسة
    وسيفي مكسور
    وظلي منكسر على الطرقات
    وتشكل قصيدة ( حفنةُ دولارات مُلطخة بالدم) البؤرة الرئيسية لإنطلاقة الشاعر من أجل رسم ملامح رؤياه، وإعداد النصوص الشعرية التي تنحى هذا المنحى، ففيها إشارة واضحة للنقطة الرئيسية في عملية الخراب الذي عم البلد والإنسان فيه، وسبب هذا الانكسار الكبير الذي لحق بنا، والاسى والندم ،بل حتى البكاء لأن هذه الارض دنست بأقدام همجية غريبة كانت سبباً بإحالة واقعنا الى نار مشتعلة داخلنا:
    كُلُّ عام وانتَ بخيبة
    أيّها الوطنُ المتفائل
    بما يهرق من دم
    وينثر من جثث
    في الطرقات
    نصحو .. فتنام
    وتنامُ…فنصحوا
    وبيننا هذا الليل
    الذي لا يؤول إلى نهار
    نهفو إليكَ بوجع قديم
    وترُجعنا مِنكَ نشرة الاخبار
  • في بغداد
    بكت السماءُ دماً
    والارض كفّنت أشلاء أبنائنا
    بالسخام
    وفي صورة رؤيوية ثانية ومهمة يضعنا الشاعر وسط الحروب التي عصفت بهذا البلد ومازالت، وآثارها، ومخلفاتها، وما أحدثت في نفوسنا من شروخ لا يمكن إصلاحها، جاء ذلك في قصيدته (حربٌ أخرى) التي تقدم لنا صورة مكثفة بإنزياحات عميقة ودلالات ورموز تساهم في جعلها واحدة من النصوص المهمة التي ضمتها هذه المجموعة:
    منْ شرفةِ الغربةِ
    والمواقيتِ الحزينة
    يَطُلُ رجلٌ غامضٌ غريب
    يلوح منكسراً
    لحشود المنتظرين
    بيد مبتورة الكفِّ
    كانت قد إقتطعتها الحروب
    مُنذُ حزن طويل
    هَمهمتْ أصواتٌ بين الحشود
    بسؤال حائر جالَ في رؤوسهم
  • ماذا تقولُ هذه الكفُّ المبتورةُ؟
    وإلى أية حَرب تشير ؟
    مجموعة خطوط كبيرة وعريضة ومهمة، شكلت رؤية الشاعر وتكوينه الشعري، فلقد حل الخراب في مفاصل حياة هذا البلد، وكما كان غزو الاميركان سبباً للتدمير والحروب سبباً آخر، فإن حالة الانفجارات المستمرة التي عصفت بالبلاد وراح ضحيتها آلاف من الابرياء حالة يجب أن نقف على بشاعتها ودمويتها، وفي قصيدة (خبر عاجل…إنفجار!!) نكون وسط هذا الضجيج، وهذا الالم، لأنه يرى ماحدث وما سوف يحدث عندما يحدث الإنفجار، حال سماعه للخبر:
    سوف تتناثرُ حقائبُ التلاميذ الصغار
    وستختنق الزوجةُ
    في السوقِ بعبرتها
    وقد تركتْ زوجها
    يموتُ وحيداً
    على الرصيف
    وسوف تتطايرُ
    أشلاء العاطل عن العمل
    في المقهى الكئيب
    لترث عائلته عُلبةَ سجائر فارغة
    ومسبحة دون بسملات
    سوف تموت الاماني
    وهكذا نكون قد إنهينا جولتنا لبعض من النصوص النثرية الشعرية، من المجموعة الشعرية (حفنةُ دولارات مُلطَّخة بالدم) للشاعر رضا المحمداوي، والتي ضمت العديد من النصوص، التي تقدم رؤية الشاعر لوطن خسر الكثير، وحمل جراحات كبيرة ينوء بها، ولازال الخراب يغطي وجه ارضه، ولا زلنا نعيش تلك الانكسارات الا أن الشاعر قدمها لنا بلغة شعرية ناضجة تحمل النسق الفني لفن صناعة القصيدة النثرية من حيث الايقاع والانسيابية والموسيقى، أضافة الى ذلك هناك صوت يأن ويذكرنا بحياة أفضل.

من اصدارات امل الجديدة – للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق – سورية 2019

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة