الأخبار العاجلة

تأثيث الفضاء الشعري في( كأس لحياة أخرى)لـ»نصير الشيخ»

عبد علي حسن

يتشكل الفضاء الشعري للنص عبر التفاعل والتعالق بين المفردات لتكون سياقا تتخلى فيه عن معانيها الصريحة المعجمية لتدخل في علائق جديدة تستمد فيها معنى آخر ، فعلاقة السابق باللاحق يتكفل في انشاء وتخليق بنى شعرية جديدة تنزع بإتجاه رسم صورة تنشد التفرد في التكوين والمعنى ، وبهذا المعنى فإن جهد الشاعر سينصب على استنفار الطاقة التعبيرية للجملة الشعرية كيما تتمكن من تحقيق الخلق الجديد والمتفرد للصورة التي يرسمها ، مما يترك أثرا بالغ التعقيد للدخول الى غموض التجربة الشعورية وصولا الى المعنى الذي تستبطنه تلك الصور وهو ما سيحقق الفضاء الشعري للنص المتمثل تجربة الشاعر ، وهو ما تمكنت منه نصوص مجموعة الشاعر العراقي نصير الشيخ الموسومة بـ ( كأس لحياة أخرى ) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة /2017 التي ضمت بين دفتيها نصوصا قصيرة / ومضة وأخرى طويلة قاربت جميعها تجربته الحياتية التي حرص على ان ينفلت من تفاصيلها المنظورة والمدركة حسيا ليؤثث فضاءها الشعري الجديد لتكتسب ابعادا جديدة تثري النص وكذلك ذائقة المتلقي عبر جمالية الصور الشعرية التي انزاحت كليا عن فضاءها الاستهلاكي اليومي المألوف ، فقد اسهم التخييل في تخليق النص الموازي وتبدي قدرته على رسم الصورة خاصة في النصوص القصيرة التي تتطلب قدرا من التكثيف والتركيز على حالة شعورية واحدة وتمكينها من الاكتفاء التعبير كيما تصل الى المتلقي دون فائض ولا نقص، ففي النصوص المكونة لعنوان ( حدائق البلور) التي تحركت جميعا ضمن فضاء موضوعي موحد نتلمس الجهد التخييلي الذي بذله الشاعر لتقديم تجربة حب وتعالقاتها برؤية مكثفة ومركزة تحمل خلاصة موقف بينه وبين الآخر :-
( تورقين هكذا..
مثل سماء ناصعة
يا لأزهار القداح ،
تجرجر عطرها خجلا .. النص 7)
ففي النص السالف يحاول الشاعر تقديم مقاربة بين حالين حال حبيبته حين تورق وحال ازاهير القداح مستثمرا ما يعرف عن قوة عطر القداح وسحره ، وتتجاوز هذه المقارنة الى افضلية عطر المحبوب على عطر القداح ، على أنه كان بالإمكان استثمار فعل ( التزهير) بدل من (التوريق) بالنسبة للمحبوب لتكون المقاربة عبر فعل واحد هو (التزهير) ، ومن نصوص هذا العنوان هذا النص الذي يتناص مع نص قرآني :- (هزي بنخلة انتظاري
لعله …يسقط الوعد ..النص ص8 ) فقد استعار النص اللفظ والمعنى لتكريس حالة الانتظار تلك المشابهة لحالة انتظار مريم للولادة ، فالانتظار يؤول الى الولادة/ الوعد ، ونجده نصا مكتفي الدلالة دون الامتداد بفائض لغوي قد يضر بتوليد المعنى وتشتت مركزية الومضة وتكثيف تجربة الانتظار واختزالها ، ومن مجموعة النصوص التي جاءت تحت عنوان ( مرمدة النفري ) نختار هذا النص :-
( على غير عادته ،
استيقظ ؛ اليعازر؛
وقال : خذوا جسدي
واعطوني بقية باقية
من روح أثير ..النص ص16)
فالنص يتمثل تجربة اليعازر في اخلاصه اللامتناهي وحبه الصوفي لله الى مستوى التفريط بجسده الذي يتوقف فعله حين افتراقه عن الروح التي ترتبط بما وراء الطبيعة / الأثير المتسامي والمتعالق بالله والذي ينشد التوحد معه ، ومن الممكن الاشارة الى ان جميع نصوص هذا العنوان تدور حول تجربة صوفية تستمد توجهها من الموروث الصوفي العربي ممثلا في شخصية النفري .
ومن مجموعة (بروق) نقرأ :-
( كالحرب أنت ..
بالآس نطالعها
وبالأخضر والنشيد
نزوق سرفاتها
يا ويلها …
تبادلنا بالفجائع ،
والشظايا العقيمة ….النص ص 21)
فالنص يقيم علاقة مشابهة غريبة بين الحرب والآخر/ المحبوبة ، فهو اذ يشير الى الإحتفاء بالحرب وانشاد الأناشيد لها وتزويق سرفات الدبابات بالزينة فإنها لا تمنح غير الفجيعة والخسارات والمزيد من الشظايا القاتلة ، فإن النص يحيل هذه المقابلة المتناقضة بين الأخذ / الاحتفاء والعطاء/ الفجيعة والموت ، الى حالة محبوبته التي تقابل الجميل الذي يمنحه الحبيب بجحود ونكران من قبل المحبوبة ، لقد تمكن هذا النص من تكثيف تجربتين في آن واحد عبر خاصية المشابهة بين الحرب والمحبوب وكلاهما في النهاية جاحدين وقاتلين .
وفي مجموعة النصوص القصيرة المدرجة تحت عنوان ( انهم يحلقون هناك ) يؤثث الشاعر نصوصه وفق مخيلة ترقى الى مستوى فجيعتنا بالأطفال الذين غادروا الحياة قسرا في حروبنا التي انهكت جسد المجتمع العراقي مفترضا حياة أخرى تعويضا لبهجتهم المسروقة فهو يقول :-
( في ظل العرش العظيم
أراهم ….
يتسلقون
سدرة المنتهى ! …..النص ص 67)
فالنص يؤكد مكانة هؤلاء الأطفال بعد ان غادرونا فهم في ظل العرش في مكان مقرب من الخالق ، وهم – كما يراهم متخيلا – يمارسون لعبهم ومزاحم عبر تسلقهم سدرة المنتهى ، وكما هو معروف فإن مكان هذه السدرة هو الجنة ، وتظل العديد من هذه النصوص القصيرة ممتلكة هاجس الحرب ووزرها وآثارها المحيقة بالمكان والانسان :-
( عشية كل حرب
ثمة اوطان تتهدم
شوارع تحرثها
القنابل
تلك هي
قلوب الامهات ….النص ص 106)
فالنص هنا يقيم معادلا بين المكان والانسان / الامهات ، وفق تبادلية الدمار الذي تحدثه الحرب في المكان / الاوطان التي تتهدم وقلوب الأمهات التي صارت كشوارع تحرثها القنابل كل حين ، ووفق هذا المتخيل فإن النص ينجح في رسم هذه الصورة المؤثرة لفعل الحرب اللا انساني والهمجي الذي يأتي على كل ما هو جميل في الحياة ، فقد ركز النص فكرة هذه المعادلة بين المكان والإنسان مختزلا تفاصيل كثيرة تعد فائضا لغويا قد لا يفضي الى ما تمكن النص من تقديمه مكثفا رؤيته الانسانية والشعرية على حد سواء، ولا يفوت النص عن احداث المفارقة في نهاية النص التي ربما تستجمع تلك الرؤية ، فجملة ( تلك هي قلوب الأمهات ) تعد اقلاب حال لما قبلها من فعل الحرب لخراب المدن وتهديمها وحرث الشوارع بالقنابل ، الا ان هذه الشوارع المحروثة لم تكن الا قلوب الامهات اللائي سيفقدن الابناء في هذه الحرب ، وتعد هذه الصورة البليغة مفارقة تستفز المتلقي وتدهشه . وعودة للحرب في نصوص مجموعة ( نصوص الموجة) :-
( اول الغيث
حرب ضروس…
وآخر المنفى ،
حياة عاقر…النص ص 112)
فالنص الآنف يكرس بنية الموت عبر تعرض الحياة لحرب ضروس لن تجلب معها غير موت / حياة عاقر ، ومنفى ، ومابين الأول والآخر خراب داخلي وخارجي متسع اختزلته هذه الجمل القصيرة المتسعة الدلالة قاطعة الطريق امام المتلقي للدخول في تفاصيل فائضة تحمل عديد مظاهر الحرب ، فقد اختزل النص ما يجري بين الاول / الحرب والآخر / حياة عاقرة ، ليفسح للمتلقي فرصة لاستدعاء مرجعيته التي يعيشها بتفاصيلها والمعرضة دوما لحالة الحرب ليملأ الفجوات التي تركها النص بين الاول والآخر بما يعرفه عن الحرب وويلاتها بعد أشارة النص الى طبيعة هذه الحرب / ضروس لتكون بداية لحياة عاقر تستجلبها تلك الحرب .
لقد اعتمدنا هذه النصوص القصيرة التي شكلت القسم الأعظم من مجموعة الشاعر نصير الشيخ نماذجا للتحليل والإشارة بعدها نمطا شائعا في المشهد الشعري المعاصر ، وكونها معيارا لتوكيد قدرة الشاعر في تقديم تجربته الشعرية وفق نمط ينحو الى التركيز والتكثيف للتجارب الحياتية ، على أنها — النصوص – لا تخلو من خطاب جمالي ومعرفي يرفد ذائقة المتلقي ومرجعيته بنصوص كرست شعريتها المؤثرة ، لقد كانت كأس الشاعر نصير الشيخ مترعة بجمال حياة أخرى استبطنتها النصوص بقدرة لغوية انزاحت عن تمثلاتها الاستهلاكية لتقف وبجدارة الى صف الشعر المحايث لمكابدات الانسان ليكون المعادل الموضوعي لكل الخراب والقبح الذي يضج به الواقع العراقي .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة