الأخبار العاجلة

رجال ووقائع في الميزان

يرسم الراحل جرجيس فتح الله أفقاً فكرياً وسياسياً نادر المثال فهو بهذا العمل يتطرق إلى زوايا وأحداث وشخصيات كان لها أدوارها المميزة سلباً وإيجاباً في التاريخ العراقي. ومما يلفت النظر في هذه النصوص التي وردت في كتاب رجال ووقائع في الميزان أنها أضاءت بنحو دقيق لحظات وأحداثاً ومسالك فكرية وشخصية وثقافية وتاريخية لم يتطرق إليها احد قط.
“الصباح الجديد” تقدم قسطاً وافراً من هذه الإضاءات كما وردت على لسانه لجمهور لم يطلع عليها في السابق بمعزل عن عمق ثقافة هذا الجمهور او صلته بالسياسة العامة. إنها ليست أفكاراً فحسب وإنما هي شهادات تنطوي على نبوءات مثيرة للدهشة عن اثر المناهج والأيديولوجيات والشهادات التاريخية السابقة للأشخاص الذي يجري الحديث عنهم ويسهم الراحل جرجيس فتح الله في تصحيح الكثير من المواقف والتصورات والوثائق السياسية المرافقة لمواضيع الحديث. كما ان أفكار السيد فتح الله تستكمل في أحيان كثيرة ما كان نصاً لم يكتمل في الماضي. إننا من دواعي الاحترام والتبجيل لهذه الشخصية النادرة نسطر عدداً من هذه الأفكار في الكتاب المذكور” رجال ووقائع في الميزان”.
الحلقة 44

حوارات مع جرجيس فتح الله*

نوري سعيد
س: في الحديث عن نوري سعيد نود أن نعرض هذه الملاحظة. اعتاد المؤرخون وكتاب السير العراقيون عموماً أن يحشروا اسم نوري السعيد عندما يتناولون بالبحث العهد الملكي وعلى طريق المقايسة بالعهد الجمهوري الذي تلاه. ثم يعزون الى شخص (نوري) كل المساوئ التي سجلت لذلك العهد أو غالباً بوصفها حصيلة سياسته الممالئة للإنكليز كما يضعون اسمه في صدر قائمة أولئك السياسيين العراقيين ورؤساء الحكومات الذين عبثوا بالدستور وهزأوا بالمبادئ الديمقراطية واجترأوا عليها وصادروا الحريات العامة وحاربوا العقائد بالمراسيم العقابية الشاذة ماهو رأيكم فيه بوصفكم كتاباً ومؤرخاً وسياسياً ؟كيف تقومون دوره وتأثير سياسته على مقدرات البلاد؟
سأحول جهدي لكني أريد قبل كل شيء التأكيد بأن ما ستسمعه مني حول هذه الشخصية ليس محاولة بناء سيرة على خطوط مستحدثة ولا هو حصيلة أو عصارة مركزة لأفكار راودتني فجأة بوحي من سؤالك فقد سبق لي أن جاهرت بها ودونتها في كتب ومقالات تاريخ بعضها يعود الى اكثر من عقد واحد من السنين وهي تختلف كثيراً عما متب عنه وتناقض ما نزل بحقه من منزله المسلمات التي لا يأتيها ريب لاسيما ازاء مواقف معينة له من أحداث جسام ووقائع فاصلة من تأريخ العراق الحديث فسرت على غير حقيقتها وكسيت ثوباً لا تستحقه بالأقلام من عددناهم من طائفة المؤرخين أو مسجلي الوقائع التاريخية بالأحرى من الكتاب عموماً لاسيما ذلك الركام الهائل الذي تخلف لنا من الدراسات التاريخية الجامعية السطحية الغثة طوال سنوات الثلاثين الماضية والقصد الوحيد منه نيل درجة علمية لا البحث للبحث نفسه
وأقول بصراحة وأسف بالغ ان حقائق كثيرة شوهت في هذه الكتب ومعها شوهت صوره اصحاب الأدوار فيها واعطي بعضها منزلة تقدير ليست اهلاً له ورفع اصحاب الادوار فيها الى منزلة في التاريخ لا يستحقونها فمتى يكتب هذا التاريخ بشكل صحيح ليت شعري ؟ ومتى سيفصل الخراف عن الجداء لترى الوقائع ولا أحداث واللاعبون بمنظار الحقيقة؟ ومتى تصدر الاحكام بعيداً عن الاهواء والنزوات؟
كثيراً ما وقع صانعو التاريخ ضحايا الاجواء السياسة الآنية التي سادت بلادهم بكل اعاصيرها وعواصفها ضحايا أولئك الذين يفترضون السيء مقدماً فيغفلون الجيد أو الجيد أولاً فيسقطون السيء من الافعال وهؤلاء هم المصابون بعمى الالوان لا يميزون غير ما تطلق عليه “ابيض” مما نطلق عليه “اسود” والأبيض والأسود وهما ليسا من الالوان في شيء فأولهما هو فناء الالوان كما تريك التجربة العلمية وثانيهما لا يعد من الالوان قط وما ليسا من الطبيعة في شيء وللطبيعة الوان شتى لا تقع تحت حصر والتاريخ حصيلة الاف الالوان التي حفلت بها الطبيعة ولذلك كان في رأس العلوم الاجتماعية والانسانية بوصفة مدرسة الشعوب والحكام والكل يستمد منه تلكم الدروس والتجارب التي تساعده في مواجهة مشكلات الحاضر والماضي والتخطيط للمستقبل الافضل وهو فضلاً عن هذا معهد أخلاقي نسيج وحده ترتاح النفس البشرية لارتياده والسماع منه لتجد في اعطافه وثناياه ذلك المزيج الفواح من المتعة الذهبية والحكمة والسلوى حرم شريف لا يجمل تدنيسه باقحام العاطفة والانحياز فيه و الا فهو تزوير واعتداء على الطبيعة والواقع
لا أريد الإطالة وأعود الى نوري السعيد لأعلمك أولاً بأني أحد الذين طالتهم غائلة مراسيمه القمعية الشاذة التي كادت تقضي على حرية التعبير والرأي ونالني الاذى منها كما نال غيري ولقد كنت لهذا وذاك من متابعي سياسته في بحار ان الحرب الباردة وموافقه من خلال صراعه العنيف مع جمال عبد الناصر كما طالعات الكتابين اللذين الفا عنه باللغة الانكليزية وكتاباً اخرا باللغة العربية صدر في بغداد قبل صدور كتابي “العراق في عهد قاسم” بسنه واحدة على أغلب ظني وبالضبط في عام 1988وأنا الان أذ اتحدث عن صاحب السيرة فلا أجد في ذهني ما يفيدني من الكتابين الاولين ولا ما يتفق من الكتاب الثالث مع ما سأتناوله هنا
الا اني سأتصدى للكتاب الثالث في ما بعد بسبب يمت الى ما نوهت به حول التعامل الصحيح مع التأريخ واغفال ما يجب ذكرة لا سيما بالتشوية الذي املاه هذا العهد الذي سمي خطاً بالعهد الجمهوري
س: سأعترضكم هنا ماذا تسمون العهد الذي ساد العراق بعد الرابع عشر من تموز اذن ؟
لك أن تطلق عليه أي شيء لك أن تختار له ايه تسمية باستثناء كلمه جمهوري “او جمهورية” فكل ما ساد بلادنا انظمة دكتاتورية عسكرية وشبه عسكرية وتوتاليتارية (حكم الحزب الواحد) تروح وتجيء على ظهور الدبابات وهزيم المدافع وانفلاق القنابل وازيز الطائرات ان وصف الاشياء بغير ما تستأهل هو جزء من التزوير التاريخي وهذه النظم لم يكن للشعب العراقي ارادة في اقامتها بل كان يفاجأ بها والمقام لا يتسع للخوض في الموضوع والحديث الان عن نوري السعيد وأريد أن اميز في حياته السياسية مرحلتين اولاهما تبدأ بتأسيس الدولة العراقية وتنتهي في العالم 1946 وهي بداية الحرب الباردة وبداية المرحلة الثانية من حياة هذا السياسي في المرحلة الاولى كان السعيد واحداً من عدة رؤساء حكومات يتامرون احدهم على الاخر ليفوزوا بالحكم هزأوا واستخفوا بالمثل الديمقراطية وعبثوا ما شاء لم العبث بالمبادئ التي نص عليها القانون الاساسي وان كان لمثل هذا الشر من درجات فمن يلقي نظرة على سجل الحكومات المتعاقبة سيجد السعيد اهونهم شراً فهو مثلاً لم يصدر قانون اسقاط الجنسية السيء الصيت في آب 1933 وانا أصدره رشيد علي الكيلاني وهو لم يصدر مرسوم (قانون) المطبوعات في عام 1934 وهو أول قانون يحد حرية الرأي والنشر وانما اصدره رشيد علي الكيلاني وهو خلاف نوري رجل قانون ونوري لم يصدر مرسوم الإدارة العرفية في العام 1935 وانا شرعه ياسين الهاشمي هو لم يصدر القانون (51) للسنه 1938 المعروف بقانون المكافحة الشيوعية والآراء الهدامة ومرسوم منع الدعايات المضرة_بل اشترعهما جميل المدفعي ووضعهما في يد عبد الكريم قاسم ليلهب بهما للظهور فكوفئ بزيارة له في منزله وهو على فراش المرض وقبلها ببضعه أيام كان (السعيد) يطارد في شوارع بغداد متلمسا لنفسه سبيل النجاة وهو لم يصدر المرسوم القبيح السيء النقيبة الذي زج المئات اثر مئات من المثقفين وكبار الموظفين والعقائديين في المعتقلات المسمى ((مرسوم الصيانة الأمن العام وسلامة الدولة) في العام 1940 وانا شرعه رشيد عالي الكيلاني ذلك الرجل القومي البطل الذي مازال يرفع عدد كبير من المؤرخين اسمه خفاقاً بين أسماء الشرف المؤثل في ميدان النضال القومي العروبي والوطني معاً.
ومن بين كل هذه القوانين المقيدة للحريات العامة بالعقوبات الشديدة التي تفرضها يسجل التاريخ لنوري منها مرسو قصير العمر أصدره في عام 1931 بعنوان مرسوم صيانة الامن في الأحزاب الغي فور انتهاء اضراب مفتعل قام به منافسوه على الحكم بمنايبة الاضرابات التي عمت بغداد اثر عقد المعاهدة العراقية الانكليزية وله أيضاً مرسوم مراقبة النشر شرع في 1939 لمنع دخول الكتب الشيوعية والنازية وغيرها ومرسوم الطوارئ في عين السنه وقد شرع خصيصاً للحد من نشاط الدعاية النازية والفاشية ولم ترق هذه المراسيم الثلاثة بوظائفها وآثارها وقسوة احكامها الى الآثار المدمرة التي خلفتها المراسيم الأخرى في حياة العراقيين.
لا نكران في أن (نوري) استخدم لفائدته تلك القوانين التي شرعها زملاؤه فيما بعد بل وتفنن في استخدامها بمختصر القول كان مجرد واحد من ثمانية أو سبعه رؤساء وزارات تداولوا الحكم في تلك الفترة الا انه كان أقل انانية من اكثرهم ايثاراً وتجرداً وبرز مفرداً علماً بينهم بعفة وخصاصة ولم يستخدم قط مركزه لمغنم كما فعل الأيوبي والمدفعي وحكمت سليمان وياسين الهاشمي وأخيراً رشيد علي أكثرهم طمعاً واستغلالا للمنصب واجراؤهم على امتهان القانون.
ميزت له في هذه المرحلة مواقف حاسمة في تاريخ العراق كشف فيها عن اصالة تفكير وبعد نظر وحكمه تليق بالزعماء الملهمين الحقيقيين أي أولئك الذين تميزوا بتلك الصفة التي نطلق عليها (كارزما kharizma) واولها موقفه من قضية الآشوريين في عام 1933أيام وزارة رشيد علي التي أطلق عليها المؤرخون وصف (الوزارة القومية) وكان نوري فيها وزيراً للخارجية يرافق الملك فيصل في اوروبا فقد آثر الكيلاني أن تنجر الى تلك المذبحة المريعة في 13آب وما بعده في قرية سميل ودهوك وفيها فتك الجيش العراقي خلال ساعتين بثلاثمائة وسبعة عشر آشورياً اعزل اعلنوا ولاءهم للحكومة وشجبهم تلك المسيرة (السلمية) المسلحة التي قادها زعماء منهم الى سورية ففروا من قراهم ليتحتموا بالعلم العراقي في قرية (سميل) وسلموا اسلحتهم طواعية للسلطة اثباتاً لحسن نواياهم وبينهم نساء واطفال فشلت الرقيات التي كان يبعث بها (فيصل) و (نوري) لحمل الكيلاني على العدول عما انتواه لهؤلاء من مذبحة شنعاء مازال الآشوريون يقيمون لها المناحة والذكرى سنوياً في جميع اقطار العالم منذ ذلك اليوم انك تجد هذه البرقيات وفيها اسم (نوري) في الجزء الثالث من كتاب تاريخ الوزارات العراقية للحسن ووقف (نوري) موقفاً شجاعاً حدياً ضد الدعاية النازية في البلاد تلك التي ادت الى قيام الحركة الطائشة الرعناء التي عرفت بحركة رشيد علي أو حركة مايس وبكل ما صبت على رؤوس الشعب العراقي من كوارث ومحن وويلات كان (نوري) وراء حركة المقاومة لها ووراء تشجيع الوصي واقطاب سياسيين آخرين للوقوف ضدها فتم القضاء عليها قبل أن يستفحل امرها بالاقل من الخسائر وحيل دون وقوع العراق بالأخير بين فكي الحرب العالمية بأسوأ الحظوظ من المصائر التي آل اليها كان شعب وبلد وطأته احذية الجيش الألماني والحرس النازي يطير صوابي ولا أكتمل –كلما قرأت في كتاب لمؤرخ أو مؤلف سياسي نعتاً لحركة مايس من أمثال الحركة الوطنية او الحركة التحريرية او غير ذلك من صفات التبجيل والتعظيم وبوصف عملية مذبحة سميل (بقمع التمرد الاشوري )كان هؤلاء الكتاب سامحهم الله ينظرون الى حركه الكيلاني بوصفها حركه ضد الهيمنة الانكليزية على العراق التي كان (نوري)قطبها وقد وجدت هذا النعت لها في الكتاب الذي الفته (سعاد رؤوف شير محمد)بعنوان (نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى العام 1945) وهو بالأصل رسالة كتبت بقصد نيل درجة الماجستير وطبعت في 1988 ببغداد ذكر في غلافها وفي خاتمتها اسم الدكتور كمال مظهر أحمد مراعاً للرسالة ومشرفاً عليها فتساءلت :أهو من رأي الاستاذ المراجع ايضاً أن توصف تلك الحركة الرعناء بالتحرر أم هو اغضاء مجامل لمن سبق فشرفها بتلك المنزلة التي لا تستحقها ؟

*اجرى الحوارات السيدان مؤيد طيب وسعيد يحيى والكتاب من منشورات دار أراس للطباعة والنشر، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2012

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة