الأخبار العاجلة

لا شماتة

أعادني مقتل علي عبد الله صالح الى زمن العنف والدماء المسفوحة..
أعادني إلى مقتل القذافي وإعدام من كان رئيسنا في وقت من الأوقات..
إنني في هذه اللحظة أراجع تاريخ الدم العربي وأفككه بعيداً عن العواطف والأهواء والأغراض الخاصة، فبالرغم من موقفي من النظام الذي جثم على صدور اليمنيين طويلا، لكنني لست مستعدة لتمجيد القتل، لأنني أرفض أن يظل تاريخ العرب مكتوبا بالدم القاني.
أدرك ان صالح ليس ضحية لأن دمه المسكوب لم يكن من أجل الوطن، لكنني أدرك أيضا معنى أن يتحول العنف معبرا إلى جحيم آخر.
كانت صورته بشعة في أنظار أبناء شعبه، إذ كان واحدا من الجلادين، ولم يشبع نهمه للدماء حتى بعد أن فقد منصبه الرئاسي فواصل جرائمه برعايته للقاعدة وتنظيمات إرهابية أخرى، واللعب على حبال القبلية، وكان كثيراً ما يتباهى بقدرة السلطة التي امتلكها على التعذيب والفتك بالأبرياء.
وفي الواقع، لم يكن الرجل الذي امتد حكمه 38 عاما، وهي أطول فترة حكم فيها رئيس عربي، شريراً فقط، وانما كان مسكوناً بقناعة ترى أن حكم بلد فقير ومسالم كاليمن لن يتم إلا عبر القضبان والسياط وعواء المعذبين من أصحاب القناعات الأخرى.
لا شماتة..
لا شماتة..
فقد جاء اليوم الذي يذوق صالح من ذات الكأس التي أذاقها لآلاف الضحايا الذين ذهبوا هباء على مذبح شهوة القوة الغاشمة والاستبداد.
لم أفرح حين رأيت صورته مبثوثة على التلفزيونات لأنني أملك من الوعي ما يكفي لفهم ما جرى ويجري منذ أبيدت العائلة المالكة في العراق وسحل أفراد منها في الشوارع، منذ ذلك الوقت والضباط الأجلاف والثوريون المتميزون بالفظاظة والناطقون الكذبة باسم الأمة التعيسة المنكودة يشرعون القسوة، ويقننون الانتقام المخزون داخل قلوبهم ورؤوسهم.
ولم أكن بحاجة الى تفسير كي أدرك ان من مارس بانتظام انتهاك حرمة الحياة الإنسانية المقدسة باسم توحيد شطري البلاد سيتعرض للمصير نفسه عاجلا أم آجلا، فثمة سر مكنون أسمه “عدالة السماء” تقتص دائما من الظالمين الجبارين، وتسخر من أكذوبة الأمة التي يجب أن تغسل أرضها الدماء من أجل وحدتها، وأن الأمر برمته لا يعدو تهريجا يجيده المولعون بالأكاذيب، فالوصول الى الأهداف النبيلة يحتاج وسائل نبيلة أيضا وليس الى الروح الانتقامية الهوجاء المصابة بالخبل وجنون العظمة.
تاريخ الطغاة لا يتكرّر مرّتين بذات التفاصيل، وإذا تكرّر تكون نسخته المُكرَّرة أكثرَ إيلاماً وسخريةً ودمويةً.
فريال حسين

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة