الجسد الانثوي بين المقدس والمدنس في رواية (امرأة بطعم التوت» لحلا المطري

عبد الغفار العطوي
(1-2)
صدرت الرواية الثالثة ( امرأة بطعم التوت ) للروائية المصرية حلا المطري الطبعة الاولى 2017 عن دار تويا للنشر و التوزيع ــ القاهرة ومن أجل ان نضمن فهما معقولا لمجرياتها لا بد لنا من التمييز بين حيثياتها التي تتطلب معرفة الروافد التي رفدت الرواية ، و كيف يعيها قراؤها دون إساءة فهم و تشويه في الحقائق من الممكن افساد مقاصد (الكاتب(ة) من ورائها :ــ أولاً ـ من هذه الحيثيات التي دفعت بالرواية للظهور وعمقت مجرياتها الرافد الاساس الذي اوحى للرواية هذا الشكل من الكتابة الصادمة لشريحة واسعة من الجمهور و لجم بلاغتهم مقصد الكاتب(ة)في رفع الغطاء عن المسكوت عنه في قضايا الانحراف عند ( المرأة) حيث أرادت تبني وجهة نظر محددة حوله، ان تقول كلمتها بصدق و روية ، و تبين ان قدر المرأة ( العربية المسلمة خاصة) لم يكن بيدها في قضية غير خلقية تمس ليس شرف( المرأة ) بل تستحضر عائلتها و مجتمعها و دينها و حضارتها، و بالتالي هويتها و عمقها الانساني ، مما اضطر حلا المطري في الانحياز الى وضع أصبع الاتهام مباشرة على الدوافع التي تسببت برسم تلك الصورة الساخرة، و ليست المخجلة ( للعاهرة ) أرادت حلا المطري ان تقول ان العهر داء اجتماعي دافعه ديني ثقافي يضخ عبر نسق سلوكي تربوي تعليمي يسري كسريان النار بالهشيم و ليس نتيجة أخطاء تقترفها المرأة ( ريم عبد الجواد مثلاً) عن سبق إصرار و ترصد ، لهذا حرصت الكاتب(ة) على تطعيم السرد بمعايير اخلاقية انتقادية بما يسمى تدخل الكاتب(ة) في السرد ( الميتافكشن) بسلسلة من المتبنيات في مقدمتها التضامن الاخلاقي مع البطلة في كل معاناتها و خيباتها و جحود عائلتها ( أبيها و امها فاطمة و اخويها فارس و حسام) و إهانة إنسانيتها و هتك عذريتها و شرفها من قبل مجتمعها العربي المصري بتعاقب الرجال عليها في دفعها كي تصبح عاهرة (وسيم و مازن و مصطفى و رامي) و إيجاد المحفزات التي شجعتها على الانغماس بتيار العهر و السير وراء صديقتها ( آلاء) انقياد الاعمى التي تمثل الصيغة المتمردة للمرأة المبكرة ، و كان لزاما على حلا المطري ان تضع بصمة تضامنها مع ( ريم) في ان تجعل ( الانا) هي الحاكمة ، أي أن تتحدث بطلتها كأنما تسرد سيرتها الذاتية ، و أن تقسم الزمن السردي لماض بريء جميل في اوله تتقدم به.
رويدا تحو عقدة العهر و مصائب السقوط في الرذيلة ، و حاضر مدقع محتشد بالممارسات الجنسية مع ( الامريكي روبرت ) تعقبها عمليات الطهارة و طقوس الصلوات و ندم عاصف و جسد متشظ ، و هي تروي في (63) مقطعا حياتها مع جسد تأرجح بين البراءة و الحب العذري في طفولة سليمة مع ( صمد او عبد الصمد في بلاد الغربة أمريكا) و كيف انتزع ذلك الجسد من حاضنته المريحة ليلقى في بحر متلاطم من الشهوات و احضان الرجال و الفتيان ، و بين بيئة فاحشة موبوءة بالفساد ( في مصر) و مكتظة بالانحراف و الكبت و القمع و الرهاب ، و كان لا بد من عقد وجه مقارنة بين الغرب و الشرق ، بين المسيحية و الاسلام ليس من باب الوقوف مع الاولى ضد الثاني ، إنما لعكس كيفية تعامل الديانتين مع القضايا الخطرة الحساسة ، كيف تستقبل المسيحية ارتكاب آثام الخطاة بطقس ( الاعتراف) الكنسي ،و لون المواجهة الاسلامية مع الله من قبل الآثمين ، الاولى التعامل باللين و الثانية الاخذ بالشدة ، كي تخلص الكاتب(ة) الى مرادها في ان الناس، الاهل، المجتمع، البيئة و ليس الله الذي يوصل المرأة الى العهر. لهذا نرى حلا المطري تواقة الى فضح الدوافع التي تقف وراء سقوط ريم عبد الجواد حيث تنطق بلسان الساردة في شيء من الاقرار الضمني لا يخفى على القارئ الذكي البوح المليء بالإيماء ( الحب ليس عدلا ، لكنه الظلم الذي احببناه الخ ص 209) و تعلو نبرة صوتها احتجاجا في سؤال ريم لصديقتها آلاء في محور خطيئة المرأة و بنيان عفتها ( العذرية ) في مواجهة الرجل ماذا لو كان للرجل عذرية او غشاء بكارة او اي دليل على عفته ص 212 لأن تساؤل الكاتب(ة) ينطوي على الاشارة الى القيم التي رسخها المجتمع في مبانيه ، و ادعى انتسابها لله ، و إن جسد الانثى هو المحور المركزي الذي يرتكز عليه في معانيه ، و لعل الحاحها في إبراز المعطيات الايروسية للجسد الانثوي من باب نقد تلك القيم التي باتت مطلقة لا يجوز مناقشتها ، حلا المطري تعي الحساسية التي قدمتها للجمهور في ثقافته و بلاغته المختلفة و مستويات فهمه و ادراكه، من هنا اكدت على ان تكون الرواية رواية موضوع و ان تبطل توقعات جمهورها الواسع في الحكم السريع غير المدروس: ثانياًـ البطلة ( ريم) و هي تتجاذب بين تحدثها في الماضي البعيد و الحاضر القريب تتكئ على الجو النفسي المعقد وهي تعيشه الذي تهيؤه الكاتب(ة) لها، بإمدادها بعنبتين ، هما الاهداء الممضي من قبل حلا المطري بلسان البطلة بعدم قداستها ولا طهارتها و لا تشببها بتيريزا، إنما كانت في رسالتها نفحة لهذا الجسد المتعب المليء بشامات تشبه حبات التوت التي جرته الى العهر بسبب غيرة آلهة الجمال منه حيث تقول البطلة عنه : انظر لمرآتي اطالع جسدي الذي بدوره يطالعني عاريا ، و بعيني اتتبعها جميعها شامات سوداء على جسدي –ص9، و العتبة الثانية ل(ابراهيم نصرالله) التي تهتم بفكرة لانهائية الحكايات، و ان لا جدوى من اقرار نهايات او بدايات، و هذه العتبة توحي او توافق حكاية ( ريم) باعتبارها حكاية من آلاف الحكايات تتحدث عن العهر اذ تقول البطلة ( اسمي ريم عبد الجواد عاهرة و لم اخلق عاهرة؟

مقالات ذات صلة

اضف رد