أيام بعد ثورة 14 تموز (1-3)

فوزي عبد الرحيم السعداوي

يعد يوم ١٤ تموز يوم فاصل بين زمنين بغض النظر عن الرأي السياسي بالحدث فقد حدثت تغييرات كثيرة في الحياة السياسية والاجتماعية، فعدا عن التغيير السياسي الهام الذي اقترن بالقتل المفجع للعائلة المالكة والمقتل المأساوي لرئيس الوزراء نوري السعيد وولي العهد الأمير عبد الاله فان شكل العراق تغير كليا وحتى في التفاصيل الصغيرة.

وقد تميزت الأيام الأولى بعد ١٤ تموز بالتواجد المستمر للجمهور في الشارع على الرغم من انتهاء عملية تغيير النظام واستقرار الأوضاع لمصلحة الثوار.

أول أيام الثورة أرسل الرئيس الأميركي “دوايت آيزنهاور” مبعوثا خاصا لاستكشاف التوجهات العامة للثورة ومعرفة قيادتها بعد تهديدات بالتدخل ووصول قوات من مشاة البحرية إلى لبنان، كان اسم المبعوث رونتري، وأستقبل رونتري بتظاهرة معادية ورمي بالطماطم وقد امتلأت بغداد بشعارات “عد إلى بلادك يا رونتري”

في الأيام الأولى من ثورة تموز لم ألمس أو أسمع أي أسى أو تعاطف مع محنة العائلة المالكة بل سمعت لأكثر من مرة افتخارا بذلك من خلال قول منسوب لماو تسي تونغ من انه يتمنى لو ان ثورته حدثت بعد ثورة العراق فإذ ذاك كنا تعلمنا درس سحل الملوك.

خرج الطلبة بتظاهرات تطالب بالزحف العام واستجابت قيادة الثورة لذلك حيث تم عد جميع الطلبه ناجحين للعام الدراسي ٥٧-٥٨ وبعد عام خرجت تظاهرات تطالب بإجراء مماثل هاتفة زحف عام مثل العام!!!، لكن الحكومة لم تستجب.

انتشرت الأفكار الثورية بالشارع حتى لدى الصبية الذين أخذوا يرددون بعض الشعارات دون ان يعوها وأتذكر هنا ان أحد اشقائي الذي كان طالبا في المتوسطة اشتبك في نقاش مع طالب آخر ضخم الجثة شرس (لاحقا أصبحوا اصدقاء) حيث كان ذلك الطالب يعلن قناعته بعدم وجود الله وان وجوده في الحياة ليس من عمل الله بل من عمل أمه وأبيه، وأذكر شعارا رفع في إحدى التظاهرات نصه “بس هلشهر ماكو مهر والقاضي نذبه بالنهر!!”.

في الأيام الأولى كان هناك توقع بسقوط نظام الملك حسين في الأردن الذي كان قبل الثورة في حالة اتحاد مع العراق، فكانت التظاهرات مستمرة ومبشرة بسقوطه القريب، وأذكر شعار أحد تلك التظاهرات كان “ملك حسين ياخداع شعب الأردن ماينباع”، في الخامس من تشرين انتشرت شائعة بوجود مؤامرة مع عودة عبد السلام عارف إلى بغداد قادما من بون حيث كان الشعار الرئيس “خمسة بالشهر ماتت البعثية”.

كذلك انتشر شعار في الشارع يقول اتحاد فيدرالي…صداقة سوفيتية، وكان ذلك ردا على شعار الوحدة الفورية الذي رفعه القوميون.

في المدرسة كان التغيير كبيرا وكان أول ملمح هو أداء نشيد اسمه كل شيء بعد تموز جديد .. السما والأرض والفجر الوليد من تأليف الفنان المعروف آنذاك سعيد شابو، كما بدأنا ننشد في الاصطفاف الصباحي أناشيد في التغني بالثورة والزعيم، ومن ناحية أخرى بدأ المعلمون يكشفون عن توجهاتهم السياسية ويدافعون عنها ففي صفي كان المرشد هو المعلم فاضل كاظم بعثيا ويدرسنا العربية وكان يبشر بالتجربة المصرية ويمتدح جمال عبد الناصر بل ذهب الأمر أبعد من ذلك اذ حدثت نقاشات جادة بين تلميذ أكبر منا سنا (وبين المعلم فاضل) عرف أخوه الشيوعي عزيز سوادي حين أعدمه البعثيون وعلقوه في منطقة الكرخ … في حين ان المعلم عيدان الشيخلي كان شيوعيا ويدرسنا التاريخ والفنية .

كان عيدان يبشر بشكل غير مباشر بالأفكار اليسارية، لاحقا ذهب المعلم عيدان في بعثة لايطاليا لدراسة الفن فنجا من الاعتقال بعد ٨ شباط ٦٣ لكنه عاد بعد زوال حكم البعث وأصبح فنانا معروفا تم وضع نصب من عمله اسمه الحضارة في الباب المعظم في أواسط السبعينات لكنه رفع لاحقا.

 (2-3)

حتى زقاق باب الأغا لم يعد كما كان فقد أسفرت أكثر من عائلة عن توجهها السياسي فهذا الضابط جميل أحمد فخري يسفر عن هويته العقائدية كشيوعي، وكان من جملة من يستقبلهم الضابط الشيوعي المعروف خزعل علي السعدي الذي قتله البعثيون تحت التعذيب إثر قيادته المقاومة ضد انقلاب شباط في مدينة الكاظمية.

كما ان هناك عائلة كانت قد جاءت لزقاقنا قبل فترة ليست بعيدة من ثورة تموز تبين لاحقا انها عائلة شيوعية هربت من منطقة الفضل التي كان يسيطر عليها القوميون والبعثيون وانتمت أم حسين وهي إمرأه مطلقة وأم لصبي إلى المقاومة الشعبية التي يقودها الشيوعيون كما تقربت بشكل انتهازي عوائل أخرى من الشيوعيون في حين ظل الفلسطينيون الساكنون في ملجأ قريب من بيتنا محافظين على توجههم القومي.

وعلى الرغم من اننا كعائلة لم ننسق مع الآخرين في مجاراة الشيوعيين بسبب انتماء والدي للحزب الوطني الديمقراطي وهذا ما عرضه لمضايقات أفراد المقاومة الشعبية لكننا في النهاية تأثرت مفاهيمنا بالسائد من المفاهيم ، في وقت سابق للثورة عندما كنت أحضر عرض فلم في أي سينما وكان ذلك في الغالب مع أخوي الأصغرين  كنت أصف الهنود الحمر “بالوحوش”  وعندما كان يظهر بطل الفلم (الولد) مع العلم الأميركي كنت كما الآخرين أصفق بحماسة، ولكن بعد ثورة تموز اختلف الأمر فعندما قام أخي الصغير بالوقوف والتصفيق لبطل الفلم وهو يحمل العلم الأميركي نهرته وقلت له توقف هؤلاء استعمار. بعد ذلك جاءتنا الأفلام السوفييتية والصينية حاملة ثقافة مختلفة وأتذكر جيدا فلما صينيا اشتهر جدا وعرض في سينما الرشيد واسمه “تونك” يتحدث عن بطولة شخص يسد ثغرة في سد بجسمه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة