الأخبار العاجلة

عن نداء غوديه لإنقاذ أوروبا

لوران غوديه في تورينو/ إيطاليا
ترجمة وإعداد: مدني قصري

يشيد الكاتب طاهر بن جلون في النص الذي نُشر حديثاً بكِتاب «نحن، أوروبا، مأدبة شعوب» للوران غوديه، الحائز على جائزة غونكور Goncourt 2004 والذي يعلن بصوت عال وواضح «أنا أوروبي»:
لا حاجة لأن تكون عبقرياً حتى تفهم أن أوروبا تمثل فرصة عظيمة لمواطني 27 دولة. فرصة يجب قبولُها وحبّها وتطوّرها. يكفي، على سبيل المثال، أن نتخيل فرنسا نفسها وحيدة، منطوية جيداً على حدودها، وتحيط بها الدول المجاورة التي تعتبِرها دولاً معادية أو مهدّدة، وسعيدة بعُملتها التي يمكن أن تُخفّض قيمتها كلما دعتها الضرورة لذلك، أو حتى طباعتها طوعاً، والدوران في حلقة مفرغة، لأن عزلتها اعترافٌ بالهزيمة. أوروبا طموح متواصل في كل وقت، على نحو ما تم تخيّلها وتصورّها بعد الحرب. فهي اليوم قد كبرت، وهي تكافح من أجل المضي قدماً. هذا ليس سبباً كافياً لكسرها وتدميرها، لتساير لُعبة دونالد ترامب الذي أعلن أن «أوروبا هي العدوّ» أو مسايرة لعبة الصينيين الذين يستثمرون الآن أينما تقودهم مصالحهم، ويرون في هذا الكيان (أوروبا) منافساً يجب إسقاطه.
العالم تغيّر. ربما لم تتمكن أوروبا من مواكبة هذا التغيير والمضي فيه. ليس هذا سبباً لتفكيكها. أصوات كثيرة تُرفع لحثّ الأوروبيين على التصويت في يوم 26 مايو. أصواتُ السياسيين لا تجد آذاناً صاغية. يبقى المثقفون والكتاب. شغفهم بأوروبا خالصٌ ولا يتوافق مع أي مصلحة أنانية. هكذا وضع لوران غوديه، الحاصل على جائزة غونكور 2004Goncourt ، قلمه في خدمة أوروبا، أوروبا مريضة، معذبة، غير محبوبة كثيراً، وربما أضحى بقاؤُها مهدّداً.
كل كاتب شاهدٌ على زمانه. من الطبيعي أن يكتب لوران غوديه «نحن، أوروبا، مأدبة شعوب» (Actes Sud)، قصيدة طويلة، نداء لإنقاذ هذه السيّدة، التي لم تبلغ من العمر عتيّاً، ولكنّها تعاني من هشاشة العظام، وأمراض أخرى بسبب بعض الإساءات. إنه يكتب ذلك كشاعر شجاع، يرسم أوّلاً صورة مخيفة، ثم يُخبرنا بأناقة ما يجب القيام به لجعل أوروبا تعيد نسج خيوطها وصلاتها مع قِيمها ومصيرها.

تجنّب الهزيمة
من السطور الأولى نشعر بنغمة الكاتب القوية: «بعيدة جداً (أوروبا)، بلا جسد، وغالباً ما تثير أكثر من مللٍ محبطٍ مخيّبٍ للأمل». فضدّ هذه اللامبالاة يثور غوديه ويغضب. هذه اللامبالاة نجدها ليس فقط بين السياسيين، ولكن أيضاً، والأهم من ذلك، بين شباب هذه البلدان السبعة والعشرين، الذين تشابكت معطياتهم ومصائرهم، من أجل عالم أفضل. يودّ غوديه أن يخترع
«»أنا أوروبي» صرخة، وبيان ونداء، وقصيدة تنتظر أصواتاً أخرى لكي تنضم إليها، وتنقذ هذا الكيان من الركود والملل، وحتى، إذا لم نفعل شيئاً، أن ننقذه من الكارثة»
هدفاً حضارياً جديداً، لأنه يرى أننا «نستحق أحلاماً أعلى، وشغفاً أكثر جنوناً. نحن جديرون بالمستحيل والعمل من أجل أن يطفو ويتجلى». إنه لبرنامج واسع، كما قال الجنرال ديغول.
«أنا أوروبي» صرخة، وبيان ونداء، وقصيدة تنتظر أصواتاً أخرى لكي تنضم إليها، وتنقذ هذا الكيان من الركود والملل، وحتى، إذا لم نفعل شيئاً، أن ننقذه من الكارثة. دعونا لا ننسى أنّ بعض الاستطلاعات تتوقع وصولاً واسع النطاق إلى البرلمان الأوروبي في المستقبل للأحزاب المتطرفة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في إيطاليا وإسبانيا وهولندا والنمسا والعديد من البلدان الأخرى. الأحزاب السياسية التي تهدف إلى تدمير أوروبا، وتمزيقها، والعودة بها إلى حدود الماضي الصغيرة، حيث كان كل واحد في منزله، يخشى جاره ولا يثق فيه. الانطواء والانغلاق. البرودة وعدم الثقة.

«أطفال قدامى» وُلِدوا من اليوتوبيا والسخط
لوران غوديه يكتب في شكل قصيدة نداءَه. يبدأ بالتذكير بالبديهيات: «يَعبُرنا نهرٌ طويل من التاريخ/ يمنحنا سماكة الزمن». يلاحظ غوديه أن هؤلاء الأوروبيين «أطفال كبار» وُلدوا من اليوتوبيا والسخط. يحدّد الولادة، ليس ولادة أوروبا، كما هي عليه اليوم، ولكن ولادة فكرتها، في عام 1848: «ظهرت أوروبا في تلك الأيام من عام 1848/ أوروبا مازيني ،/ وفريدريك هيكر ، وغوستاف ستروف ،/ وأوروبا غاريبالدي، / وأوروبا لاجوس كوسولث ،/ ولودويك ميروسلافسكي ، وليدرو- رولان «.
بالتأكيد، منذ ذلك التاريخ، كم من حروب ومجازر وحماقات وقعت في هذه الأراضي الخصبة! لذلك، وبسبب أو بفضل هذا الدم الذي سال بسخاء من دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، لا بد من قفزة، لا بد من إنقاذ أوروبا اليوم وإعادة بناء خيوط الشغف الذي أسّسها.
في «رسالة إلى صديق ألماني»، كتب ألبير كامو: «إن أوروبنا مغامرة مشتركة لا زلنا نخوضها معاً، رغم أنفك، في مهبّ الذكاء». اقتبس لوران غوديه مرة أخرى من كامو الذي يعلن أن أوروبا هي «وطني الأعظم». ويقتبس أيضاً من فيكتور هوغو الذي تحدث في خطاب ألقاه عام 1849 عن بناء «أخوية أوروبية». واليوم يأتي الحديث عن التضامن، حتى لو خُنقت مناورات رؤوس الأموال الخفية التي تضحي بالإنسان، وتُهيّئنا لأزمات اقتصادية جديدة.

بسيطة وحيوية
يختتم لوران غوديه نداءه بدعوة نابضة بالحياة إلى أوروبا الشعوب: «دع الحماس يعود/ دع أوروبا تنبض بالحياة/ دع أوروبا تتغير، / وكُنْ / مرّة أخرى، / من أجل العالم بأسره، / الوجه المضيء/ الجرأة، / الأمل، / العقل، / والحرية».
آمل أن يقرأ ناخبو شهر مايو هذا الكتاب، قصيدة طويلة بسيطة وحيوية، وهي استحضار لتاريخ أوروبا التي ينبغي أن تعزز هُويتها وتختار القيم التي كانت قيمها في الأصل. وهكذا سينهزم سالفيني وأوربان ولوبين وفوكس والعديد من سياسيي الشقاء أمام إرادة الرجال والنساء الذين يحتاجون إلى أوروبا، أي إلى الثقافة والحضارة والتضامن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة