الأخبار العاجلة

برهان المفتي وأصطياد لحظة هاربة

محمد جبير

لا يمكن الإمساك بالقاصّ برهان المفتي من علامة سردية محددة يمكن أن يكون واقفا تحت مظلتها ليشار إليه من باب التميز، وإنما يتبخر من أمام ناظريك وينتشر في فراغ الوهم بعيدا ساخرا من كل الحقائق التي راوغت خداعك في القبول بها، لتكون عاريا أمام نصٍّ يسخر من أوهامنا ومن تشظيات أحلامنا البائسة في ظلّ وضع نحلم أن يكون متغيرا أو متجاوزا لأحلامنا في العيش البسيط، تلك الأحلام التي صارت في خانة المستحيلات، أمام استطالة الثواني وافتراس النمل الأبيض وحكم الدكتاتور العقيم.
لا يمكن الإمساك بمجموعة « كذلك – الصادرة عن دار نصوص في بيروت» من باب التجنيس «قصص قصيرة تحاول الهروب»، فهي قد تكون كذلك أو لا تكون، لماذا تحاول الهرب وإلى أين، أتهرب إلى الماضي أم إلى المستقبل؟ أتهرب من الواقع أم من الأحلام؟ أتهرب من البوح إلى الصمت أم العكس؟
حمل الغلاف الأخير كلمة القاص المبدع «محمد خضير» التي نصّها « تحتوي مجموعة القاص برهان المفتي على موضوعات فريدة، تميّزها عن غيرها من مجموعات القصة العربية القصيرة الحديثة، وإذا أضفنا إلى هذا التميّز أسلوب القاصّ ومعالجاته لهذه الموضوعات نكون قد أشرفنا على عتبة تحوّل مهم في مفهوم القصة وقواعدها التقليدية، يبحث المفتي في نصوصه عن نقطة افتراق نوعي وأسلوبي، عبر توفير نهايات مفارقة ومواقف صادمة، ولك أن تستنتج ذلك بعد إتمام القراءة، « فيما يرى أنيس الرافعي في صفحة الغلاف ذاتها في هذه النصوص» المحكمة مبنى ومعنى، الآسرة تشخيصا وتخييلا، يقدم لنا المبدع برهان المفتي ما يمكن أن أنعته بشعرية ما بعد الفاجعة».
هذه الآراء تحفّز المتلقي إلى الدخول في تجربة قراءة هذه النصوص بعد أن ابتعد كثيرا عن قراءة النصوص القصصية القصيرة منذ ما يقرب من ربع قرن، واتّجه بكثافة ملحوظة على قراءة النصوص الروائية مع ملاحظة وتأشير غزارة الإنتاج الروائي وانتقال كُتّاب القصة القصيرة من حلم كتابة الرواية إلى تجسيد ذلك الحلم واقعا في إنتاج عدد من الروايات، فهل تستطيع مجموعة قصصية أن تعيد موازنة البوصلة الإبداعية التي مالت إلى الرواية على حساب القصة القصيرة؟
يبدو هذا السؤال كبيرا على تجربة أولى في الكتابة السردية وتحميل منجز مالا يمكن تحمله من مسؤولية إبداعية وتاريخية، إلا أن مراحل التغيير الكبرى وعلامات التحوّل في المسار الإبداعي تبدأ بخطوة واحدة، تكون بداية المغامرة الإبداعية المؤسسة لما يأتي وإن ما يرسخ هذه الخطوة الوليدة هو ما تلقاه من دعم واكتشاف وتبنٍ لهذه المغامرة السردية التي تريد أن ترسم أفقا جديدا للنصّ القصصي الجديد، وتكشف عن موهبة إبداعية شابة تمتلك خيالا جامحا لا يمكن السيطرة عليه، ويهرب إلى كل ما هو مفارق ومختلف مع السياقات العامة للكتابة السردية ليحقق لذاته نمطا سرديا خاصا به، وقد تكون براءة خيال الأطفال وغرائبيته غير المقننة هو جوهر انطلاقات نصوصه السردية هذه «والطفولة هي التي تمنحني الدهشة النقية خالية من أيّ شوائب تؤثر على كيميائيتها وفاعليتها حين التعامل معها»، « الهروب–ص103».
هذا الخيال غير التقليدي، يسعى إلى رسم صورة مدينة تعيش الكابوس وتحلم بما بعد ذلك الكابوس، بمعنى أنها لا تريد أن تكون «كذلك» الكابوس تجثم على الحقول بوصفها نصوصا هاربة، وإنما تريدها أن تكون خيالا لمستقبل، إلا أن هذا المستقبل هو ذاته الأمس الذي لا يمكن التحرر منه «محرقة حرق الأخطاء أخطاء، وتلك الكتب التي تطبعها المطبعة هي كتب مكتوبة بحبر كله أخطاء…كنت أجمع الأخطاء وكتبت كتاب الأخطاء، أنا الآن في طريقي إلى المطبعة، ربما سأكون صورة الغلاف في الكتاب القادم الذي سيوزع للناس.. سأترك العنوان لكم»، « حكاية ما–ص 72»، إنها تلك الأخطاء التي توائمنا معها لنرسم طريق «النعال» المصنوع من جلد الكلاب، وصار نباحنا مسموعا كلما تزاحمت خطواتنا ويوم ارتضينا أن نكون طبلا» سأزرع طبلا. هكذا قررت، ورحت أبحث عن طبل لتنفيذ قراري، حتى وجدت ماكنت أبحث عنه منذ سنوات، طبل خشبي، وجدته أمام رجل لم أر وجهه، أو هو لم يرد أن أراه، رجل يبيع الذكرى كما قال بكلمات خرجت ربما من فمه، فأسرعت بشراء الطبل»، « الطبل –ص23».
هذه هي «البدايات» التي قادت المستقبل نحو الموت والقتل والحروب الدموية، وهي التي أعادت إنتاج الأخطاء في كل الأزمنة اللاحقة لنأخذ في البحث عنها في كتاب الأخطاء الذي سال حبره مع دم الضحايا ولم نعد ندرك شيئا من ماضي الايام او قابلها بعد ان تفتت الزمن وراحت الساعات تلهث وراء الدقائق، والدقائق وراء الثواني لتبحث لنا عن حفر جديدة نستقر بها بعين شاخصة إلى مستقبل لا تعرف ملامحه، وإنما تشمّ فيه رائحة شواء أجساد بشرية على نار الدكتاتور الهادئة وهو يأمرنا» عليكم أن» حتى نهبَّ خفافا حفاة عراة لتنفيذ ما علينا قبل أن ينطق به.
نصوص «كذلك» هي ليست نصوصا قصصية سردية فقط وإنما هي نصوص رؤيوية تكشف الحاضر بإرث الماضي، وهي نصوص مغامرة وجريئة على مستوى التشكيل والمعنى، وهي ليست نصوصا توثيقية لحاضر ملتبس، وإنما هي أيضا تسجيل يومي برؤية طفولية مدهشة، تفضح وحشية هذا العالم وقذارة الفكر السائد الذي يسعى إلى تدمير البشرية وتجريدها من إنسانيتها وجمالياتها الخلاقة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة