(تأوهات في زمن النرجس) والتدفق العاطفي والوطني

علوان السلمان

الابداع بكل مقترباته وموجوداته ومقاييسه الجمالية واساليبه المعرفية نتاج ذهنية واعية لذاتها والواقع..كاشفا عن مكنون الوجد وهجا يعلن عن رغبة في معرفة الحياة بمكوناتها ومتناقضاتها التي تمنح معنى للوجود…
والنص الشعري هو انشغال بإشكاليات الواقع من جهة ومقاربته مع اليومي من جهة أخرى مشكّلا علاقة تفاعلية ما بين الذاتي والموضوعي، عبر منظومة دلالية وصوتية لتحقيق المتعة الجمالية المنبثقة من بين ثنايا النص..والمنفعة الفكرية المتحققة من خلال التساؤلات التي يصنعها المنتج(الشاعر)بفعل وجداني…
وباستحضار المجموعة الشعرية (تأوهات في زمن النرجس) التي نسجت عوالمها النصية المقطعية انامل منتجها الشاعر مصطفى بو غازي واسهمت دار الماهر للطباعة والنشر في نشرها وانتشارها/2018 ..كونها تكشف عن قوة التدفق العاطفي والوجداني والوطني بتكثيف الرؤية وايجاز العبارة باستخدام المجاز والاستعارة وكثافة العبارة المؤدي الى عمق المعنى.. الذي يجرنا لمقولة النفري الصوفي (كلما ضاقت العبارة اتسع المعنى).. لتشكيل خطاب اتصالي يثير الانفعالات ويستفز الذاكرة المستهلكة، ويغادر المستوى التفسيري الى المستوى التأويلي..مع توظيف تقنية السرد الشعري وعامل المفارقة الاسلوبية الادهاشية المفاجئة، ابتداء من العنوان الذي يحمل دلالات فنية رامزة تلخص الاطار العام للرؤية الشعرية، فضلا عن اسهامه في استبصار بنية النص وفك شفراته بالخوض في مكنوناته..كونه بنية صغرى تنسجم والعوالم النصية…
وأراك…
تمسي جليدا على الشفاه
في وهج احتراقنا
تولد من الرماد دجالا
لتصبح فينا
ظل إله
يحاصرنا في الصمت
على الطرقات
في كتاب الطفل ، ودمية البنت
على الشرفة إذا تنفسنا
نراه
فالنص يقترب من الحكائية بتدفق وجداني ينبثق من مركز دائرة الوعي الشعري الذي تؤطر عوالمه الصورية ودلالاته الموحية..مع اضفاء دينامية حركية من خلال جدلية المتناقضات التي شكلت عنصرا من عناصر الصورة الشعرية التي تستمد شعريتها من الذاكرة الذاتية والموضوعية عبر توليفة تجمع ما بين الواقعي والتخييلي..
كانت أحلامنا
تناغي الصبح مع زقزقة الأطيار
حبلى بمواسم خصب
مطرزة بألوان العشق.. وبواكير الأشعار
كنا نصنع من الحب زوارق
تبحر في شرايين الوطن
وأمنيات تصارع لحظات الوهن
كان هو الخبز والفيء والسحاب
وأغنية الروضة
لوح السبورة والكتاب
كنا نراه جميلا.. أجمل من الأمهات
الشاعر هنا يستقطب اللحظة الشعرية فيضفي عليها وصفا امتاز بدقته وقدرته على استفزاز المستهلك(المتلقي) ونبش خزانته الفكرية من اجل استنطاق النص وعوالمه التي اعتمدت البناء الدرامي الذي تتجاوز فيه الصورة الحوار..اذ ان فاعلية الصورة تقوم على مدركات عقلية تكشف عن وعي شعري يقوم على وحدة موضوعية امتازت بسلامة ايقاعها المنبعث من بين ثنايا الالفاظ الموحية..فضلا عن تكثيف الصور وشحنها بإيحاءات نابضة بالحياة باعتماد لغة دالة..مركزة بجمل قصيرة..موجزة..مختزلة للوجود بوحدة منسجمة ومنسقة عضويا وموضوعيا..
ـ البحر الذي في عينيك
يبتلع قارب السؤال
ينشر الواحه..أضلعي
ـ سئل البحر عن عمقه
ما بلغ ساق انثى
مد المعنى
يعتمد الشاعر رؤية شعرية محددة بمنطق جمالي يتواصل بمشهدية ترتقي من المحسوس الى الذهني بجمل موجزة..مكثفة العبارة خالقة لصورها الشعرية النابضة بالحركة والتوهج الوجداني والتفاعل الحركي، فضلا عن انها حافلة بخصوبتها الصورية المعتمدة على مستويين من الخطاب الشعري: اولهما مستوى الخطاب الحياتي.. وثانيهما مستوى الخطاب الفني المتخفي وراء الالفاظ الرامزة التي تستدعي المستهلك لاستنطاقها، اضافة الى قيامها على تقانات فنية واسلوبية، كالتنقيط (النص الصامت) الدال على المحذوف والذي يستدعي المستهلك لملء فراغاته، والاختزال الجملي مع ضربة اسلوبية إدهاشية مفاجئة،
وبذلك قدم الشاعر بو غازي نصوصا تنم عن قدرة بنائية تبعث الدهشة والجمال مع اضفاء الجدة والتجدد بتوظيف اللفظة الشعرية التي تجسد الفعل الشعري وهي تقوم على بعدين اساسيين: البعد العاطفي والبعد الوطني الممتزجان عضويا بوحدة موضوعية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة