الأخبار العاجلة

عراق ما بعد سبايكر

 

 

بالرغم من مناخات التعتيم والتزييف، التي تحكم قبضتها على مفاصل المشهد العام في هذا الوطن المنكوب، الا ان ما جرى لأكثر من 1500 شاب عراقي بعمر الزهور في مدينة الجرذ الذي انتشل مذعوراً من جحره الاخير، قد وضع حداً لهذه المسيرة الطويلة من الخسة والغدر، حيث يتم فيها دائماً (القاء القبض على الضحية واطلاق سراح الجاني).
هذه المحطة الدموية لا يمكن ان تمر، ولم يعد الصمت ممكناً كما كان زمن العصر الزيتوني عندما نكتشف مصير رفاقنا وزملائنا المعتقلين بعد ربع قرن ضمن قوائم المقابر الجماعية المعلن عنها بعد سقوط النظام المباد.
لقد أهدرت كتل وجماعات «الهويات القاتلة» حقوق الضحايا عندما اختزلتها بفتات التعويضات المادية وغير ذلك من العطابات البائسة، وعندما حولت الصراع الانساني والوجودي والقيمي مع عقود من سلطة (المنحرفون) الى مجرد فضلات للثارات التأريخية. هذه الخدمة المجانية التي شرعت النوافذ الخلفية لبستان قريش أمام الاجيال الجديدة من فلول ومرتزقة الاجهزة السرية، كي تمتطي سنام الواجهات السياسية والدينية والعسكرية المعادية للتغيير بحجج وذرائع تستند الى ارث غير محدود من المكر والاكاذيب والدهاء.
لقد سقط القناع لا عن القتلة (القدماء- الجدد) من الذين استدرجوا هؤلاء الفتية العزل الى ذلك المصير الذي تخجل منه اشد انواع الحيوانات انحطاطاً وحسب بل عن أولئك الجنرالات والزعامات المسؤولة عن رميهم في تلك التضاريس المسكونة بمسوخ لا يمكن لها ان تتحرر من ارثها وصبغتها الاجرامية المسكونة بحلم استرداد الفردوس المفقود.
إن فاجعة التلاميذ في قاعدة سبايكر الجوية، والطريقة التي نفذت فيها تكشف عن عجز عضال علينا مواجهته بما تبقى لدينا من شجاعة وفرص للبقاء على قيد البشر. هي عار آخر يمكن ان يلتحق بقافلة الذل والخوار الجمعي الذي لحق بسكان اقدم المستوطنات البشرية، ويمكن ان يقرع اجراس الخطر المميت المتربص بنا جميعاً، ان استرددنا شيئاً من حطام انسانيتنا المهدورة.
فاجعة مثقلة بشحنات مريرة من الوجع الانساني، غير انها لم تحرك مشاعر غالبية المتصدين للسياسة والشأن العام في بلد المكونات والاهازيج الخاوية عن الغيرة والشهامة والعزة والكرامة وغير ذلك من قات المفردات التي هجرت معانيها في مضاربنا منذ زمن بعيد. وكما قيل قديماً: (ان ضاع العراق فلا عراق) بعد فاجعة (سبايكر) وما سيتمخض عنها من معلومات صادمة لكل مما زال يقبض على شيء من العقل والوجدان، سنجد انفسنا امام مفترق طرق احلاها مر، ان بقيت منظوماتنا وقوافلنا تصر على الاحتفاء بالقتلة..!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة