الأخبار العاجلة

حينما يتحول الرأي سلاحاً للانتحار

عبد السادة جبار

يحمل لنا التاريخ أحداثاً وحكايات وشخصيات في مراحل زمنية وأمكنة مختلفة لكنها ليست غريبة عن حياتنا المعاصرة وغالباً ما يقال عن حدث ما يبدو مكرراً بان التاريخ يعيد نفسه، ومن الأحداث الكبرى الخطيرة والمدمرة في التاريخ والتي تعيد نفسها باستمرار لأسباب شتى وبأساليب متعددة وبشخصيات شتى هي الحروب الأهلية، إذ سرعان ما تندلع بسبب شرارة ما لا تتوقف نيرانها قبل أن تحرق أرضاً وبشراً وتترك يتامى وثكالى وشعوباً تغط في ظلام طويل وبؤس لا تنهض بعده إلا بقدرات تاريخية، قد تخوض الشعوب حروباً خارجية طويلة لكنها لن تكون بقسوة ودمار الحروب الأهلية التي تمزق اللحمة الوطنية والشعبية والإنسانية من الداخل حيث مرمى السلاح قريباً لا يبعد كثيراً عن حامله. فيلم « كوبرهيد copperhead» يصوّر أشهر هذه الحروب، وهي الحرب الأهلية الأميركية، إذ يعيدنا الفيلم إلى العام 1862، كونه مأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للروائي الأميركي «هارولد فريدريك» وهو من أهم الروائيين في الولايات المتحدة، تمكن من خلال روايته أن يرصد ويحلل تلك المرحلة من تاريخ أميركا، ليشتغل السيناريست» بيل كوفمان « على السرد الروائي محولاً إياه إلى عرض سينمائي يتبناه المخرج الأميركي «رونالد ماكسويل» الذي قدم للسينما العديد من الأعمال السينمائية، ومن أبرز أفلامه فيلم «جوتسبورغ 1993» وهو من الأفلام التي تعري جوانب من الحرب الأهلية أيضاً التي مزقت أميركا وفيلم «آلهة وجنرالات» 2003، اهتم فيها ماكسويل بالتحليل الداخلي للشخصيات مصوراً تأثيرات المآسي على السلوكية العامة للأسرة وتعرضها للتمزق.

قصة الفيلم

«كوبرهيد « تعني الرؤوس النحاسية، والمقصود به أولئك الشماليين المعارضين للحرب حيث يقف كل على طرف نقيض، تحرير العبيد والوحدة الأميركية، الانفصال واستمرار العبودية، تلك التناقضات بين الأحزاب وخصوصاً الحزبين الرئيسين كلها كانت أسباباً لتمزيق اللحمة الإنسانية وارسال الفتيان الى حرب لا يفقهون ضرورتها، السياسة والأفكار والآراء هي التي أججت الحرب، بعض الشماليين كانوا غير مؤمنين بها؛ لأنهم لا يهتمون بالاتحاد أو حرية العبيد بل بمزارعهم وعائلاتهم وسلامة الأبناء، إلا أن المتشددين مستعدون لكل ذلك، والكنيسة ترمي الزيت على النار وتروي كوابيس عن أفاعٍ وآفات ستمزق البلاد إن لم يتم محاربتها، في ظل ذلك التأجيج تنشأ قصص الحب إلا إنها تصدم بصخرة الفرقة والتنازع، « جيمي « الممثل ( فرانكوس أرنود ) رجل متعصب لفكرة الاتحاد ويعتقد إن من يناهض الحرب ضد الجنوب هو بمنزلة عدو، ولهذا يصبح جاره « بيتس « الممثل المناهض للحرب، عدوه اللدود الذي يقاطعه ويحرض الآخرين ضده، لكن حباً جارفاً يجمع بين إبن بيتس «جيف « وإبنته «استر « الممثلة (لوسي بينتون)، الأمر الذي يجعل الأب يوصيها بأن الارتباط به معناه الاقتران بقاتل أبيها، يدرك جيف المأساة فيقرر إثبات انه مخلص لمبادئ الحرب ليكون قريباً من حبيبته فيتطوع لخوض تلك الحرب الأهلية مخالفا مبادئ أبيه، وفي ظل تلك المعارك الطاحنة تفوز الأحزاب المحلية المناهضة للحرب مما يزيد من حنق جيمي فيحشد جماعته لمهاجمة بيت بيتس في الوقت الذي كانت استر في زيارتهم وفي حالة غفلة منهم يشتعل القش القريب من البيت ويحترق لكن الجميع يخرجون منه سالمين إلا أنها تختبئ في القبو فيظن الأب إنها قد لاقت حتفها، وفي حالة من الانفعال يشنق نفسه، وهنا يعود جيف من الحرب وقد بترت ذراعه ليروي للجميع بؤس تلك الحرب ومآسيها، وفي مشهد لابن جيمي في الكنيسة يكلم الناس ويذكرهم بما ورد في الإنجيل عن الجار ومحبة الناس، حيث يوجه إدانة للجميع؛ لأنهم يقولون مالا يفعلون ويتذكرون الحق فقط عند الدخول إلى بيوت العبادة، ومن ثم يتجاهلون ذلك بعد الخروج من هذه الأماكن. بعدها يتعاون أهل القرية ويبدأون ببناء بيت بيتس كتكفير عن ذنوبهم، لكن جيف يسأل استر بقلق، هل ستنتهي الحرب ليتم زفافهم أم إن الأمور ستؤول إلى اتجاه مجهول؟

المعالجة

بنى المخرج المحور الأساس للفيلم على العلاقات الإنسانية، الأسرة المتماسكة، وفجأة كل شيء يتمزق يحدث التشتت ويصدر الحكم بالتفريق، كل فرد يذهب إلى اتجاه مغاير، تتهاوى العاطفة النبيلة تحت مطرقة السياسة والحرب والتطرف، والأسرة هي الضحية، ويضيع السلام. في الربع الأول من الفيلم نرى الشمال هادئاً وديعاً بصوره القروية الجميلة الخضراء بانسجام الجميع عبر الرقص على أنغام الأغاني الشعبية، بنمو بذور الحب بين الشباب، لكن سرعان ما يبدأ التصعيد، وتدخل الآراء السياسية على الخط، وكذا العقلية المتزمتة، تحوّل الجمال الروحي والطبيعي الى رماد، في الحرب الأهلية لا غالب، الكل هو المغلوب والمهزوم والخاسر، لأنّك تصبح ضد نفسك تحمل السلاح على مواطنيك، لتقتل نفسك، انها الكارثة. يقدم لنا ماكسويل سينما من نوع خاص، لا تقدم عرضاً أو استعراضاً تاريخياً أو توثيقاً للحوادث فقط، بل يصور لك بدقة وصدق ذلك التحول التدريجي القاسي من الهدوء والسكينة والحب الى الكره والعناد والانغماس في الرعب، وهي مؤشرات تصويرية ذكية تختصر البعد في المكان والزمان وتقربك من فهم الحاضر بتجربة الماضي وأنت تراه يقترب ويغلي، ربما يعيد المأساة مرة أخرى ليعطي النتائج الكارثية نفسها، إنها صرخة تحذير للإنسانية لحفظ سعيها الحثيث نحو المدنية. في الواقع حرص ماكسويل على أن يقدم لنا مادة درامية خالية من تفاصيل القتال والحرب ومآسيها المباشرة، إنما اهتم بتفاعلاتها الاجتماعية والعاطفية والإنسانية، لم يغادر في تصوير فلمه أجواء الشمال والريف، وتوغل في أعماق الشخصيات وانفعالاتها المتائرة في الصراع السياسي والاندفاعات غير المتوازنة في اتخاذ القرارات المصيرية. الفيلم درس مهم لفهم نتائج الحروب الأهلية.

فيلم «copperhead»، تمثيل : فرانكوس ارنود ، كيسي توماس براون ، لوسي بوينتون
اخراج : رونالد ماكسويل

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة