الأخبار العاجلة

جولة معرفية

أمير الحلو*

قد أعتبر نفسي قارئاً نهماً منذ تعلمت القراءة والكتابة ، ولكن لكل منا (محطات ) في القراءة قد تؤثر بشكل مباشر على سلوكه وعلاقاته وحتى أنتماءاته الفكرية والسياسية ، وهذه حالة طبيعية ولكن البعض قد ينقلب على كل ما آمن به إذا ما وجد قناعات جديدة في كتب أخرى أو علاقات مع قوى وأشخاص مؤثرين ، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك ، فقد نشأت شخصياً في بيئة كان من الممكن أن تكون أفكاري محصورة في مجال معين من التوجهات الفكرية والسياسية ، ولكن قراءاتي المبكّرة غيّرت الكثير من قناعاتي (البيئية ) وجعلتني أتجه الى منحى آخر في افكاري وميولي في شتى المجالات .

وكان أول من أثر بي بشكل مبكر الدكتور طه حسين في كتبه مثل الفتنة الكبرى والأيام والشعر الجاهلي وغيرها علاوة على رواياته مثل دعاء الكروان ، ولا شك أن أفكار وتوجهات طه حسين قد لا تتلاءم مع البيئة التي أعيش فيها ، ولكنها مثلت تغييراً كبيراً في مجرى حياتي الفكرية والسياسية خصوصاً ، وبعد مرحلة أكبر قرأت كتب الدكتور علي الوردي وهي جريئة ومفيدة في تلك المرحلة وكنت محتاجاً الى عملية التطور الفكري خصوصاً في الظروف الاجتماعية والسياسية التي كنا نعيشها ، وعلى الرغم من عمليات المنع التي تعرضت لها كتبه مثل وعاظ السلاطين إلاّ أن ذلك كان يزيد من الطلب عليها وأصبحت في قمة الكتب التي نشرت الوعي لدى جيل كامل من الشباب ، وهذا ما جعل السلطات في شتى العهود تحارب الوردي وكتبه وكان هذا الأمر معروفاً للجميع وكانت هذه الحالة مفيدة للمجتمع ومثقفيه واتجاهاته السياسية والفكرية التقدمية ، لذلك فحين درست على يد الاستاذ الكبير ابراهيم كبه وآرائه الفكرية اعتبرته أمتداداً لطه حسين وكارل ماركس ولينين ، وتزامناً مع مرحلة الوردي .

عندما انتقلت الى دار أصغر من داري السابقة كان عليّ أن (أتخلص ) من الكثير من الكتب التي كنت أقتنيها لغرض القراءة خصوصاً إذا لم تكن ذات محتوى مؤثر ، لذلك حرصت على تصفح كل كتاب ووضع ما أستطيع الاستغناء عنه وقد أكتفيت بقراءته على جنب ، وما أريده (باقيا) في حياتي على جنب آخر ، فأهديت المجموعة الاولى و هي كبيرة الى بعض الأصدقاء ، وأبقيت الكتب التي أعدّها مرجعاً فكريا ، ولا أستطيع حتى مجرد التفكير في (البعد عنها )، علماً بأنني تعرضت عدة مرات الى (غزوات ) أمنية كانت الكتب فيها أكبر تهمة وجريمة وقد فقدت الكثير من الكتب أمام تلك الغزوات الهمجية ولكني كنت سرعان ما أسترجع بعض الكتب المهمة التي صودرت من خلال الحصول عليها من الأصدقاء أو بطرق معينة يعرفها من يتعامل مع باعة الكتب في شارع المتنبي وأساليب الاستنساخ حتى في أشد الظروف التي عدّت تلك الكتب تمثل خطورة في محتواها الفكري الذي يعده البعض أكثر فاعلية من الاسلحة ، ولكن هناك صفة مشتركة بينها وهي أنها (كاتمة) لصوتها ولكنها مليئة بالانفجار .

منذ فترة لم أحصل على كتب (إستراتيجية) تدفعني الى الاحتفاظ بها ولا أعرف هل السبب مني أم من الموجود في أسواق الكتب ، ولكني أعتبر التجوال بين الكتب أكثر متعة من التجول في 

(الشانزلزيه) أو في بعض الشوارع عندنا وهي مليئة بكل ما ترفضه النفس البشرية من نفايات ليس مكانها الشارع .

وتبقى الكتب دائماً المعين الحقيقي للأنسان في زيادة معرفته وثقافته ….

أتذكر أن أحد الزملاء طلب مني مجموعة من الكتب ليعطيها هدية لمدير إحدى الدوائر لانجاز معاملته ،فنظر المدير اليها مستهزئاً وقال : وهل أطعم عائلتي بها ؟

م عائلتي بها ؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة