الأخبار العاجلة

المدعي العام وينه؟

المنصب الأشد فتكاً في الدفاع عن حقوق عيال الله، عند المجتمعات والامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري، هو (المدعي العام)، الذي يمثل احدى الذرى القيمية والتشريعية التي ارتقت اليها سلالات بني آدم في سعيها لحياة حرة وكريمة.
وفي العراق البلد المنكوب بسيول لا مثيل لها من الانتهاكات لحقوق عيال الله، نجد انفسنا وسط الموجات الكاسحة من الغزوات الهمجية الجديدة، التي افترست البشر والحجر نتساءل عن مثل هذا المسؤول والمؤسسة (مكتب المدعي العام)، وهل له وجود واقعي عندنا، أم هو جزء من عالم آخر لم تنضج شروطه بعد؟
طبعاً، مثل هذه الاوضاع الشاذة من ضياع الحقوق وهزالة دور مثل هذه المؤسسات المفصلية في تأريخ الشعوب والامم، لا ينفصل عن التجربة المريرة التي عاشها العراقيون مع حقبة النظام المباد الذي استهدف منذ اللحظة الاولى لاغتصابه السلطة السياسية في البلد، مؤسسة القضاء الهشة اصلاً، ونجح في تحويلها الى مجرد ذيل واكسسوار لعصابته الاخطبوطية. لكننا وبعد نهاية تلك الحقبة البغيظة من تأريخنا الحديث، تأملنا عودة الروح لذلك الجهاز الحيوي (الادعاء العام)، خاصة مع صدور التشريعات المطلوبة لاستقلالية سلطة القضاء عن بقية السلطات. غير ان أكثر من عقد على «التغيير» أحبط مثل تلك الآمال المشروعة، خاصة بعد ان كشف أولو الأمر الجدد عن رشاقة وشراهة لا حدود لها عند أطراف الوليمة الأزلية.
ليس هناك ادنى شك من ان عقوداً من الاستبداد والقهر والركود والفساد، قد تركت بصماتها المدمرة على جميع مفاصل الحياة، الا ان مهمة النهوض بمثل هذه الاجهزة الحيوية تقع على رأس المهمات الاخرى، بوصفها الرافعة الاساس لاسترداد الدولة والمجتمع عافيتهما المهدورة. ومثل هذه المهمات الخطيرة لا يمكن تركها نهباً لمعادلات المحاصصة الفئوية والمكوناتية، وما نضح عن معاييرها المتنافرة وروح هذا الجهاز ومقتضياته المستندة لأفضل ما انتجته المجتمعات البشرية من تشريعات مناصرة لحرية وحقوق الانسان.
ومع مثل هذه الظروف الاستثنائية والمصيرية التي يمر بها البلد، نحن احوج ما نكون لتفعيل دور هذا الجهاز، وتقديم كل الدعم له كي يشغل دوره المنسجم ووظائفه الدستورية والوطنية. وعسى أن نتمكن عبر ذلك من كبح جماح الفوضى، واعادة ترتيب اولويات اعادة بناء مؤسسات البلد الاخرى وفقاً للقانون ومتطلبات الحياة الحديثة وحاجات العصر.
في ظل التحديات والمخاطر المتربصة بكل من ينبري لمثل هذه المسؤوليات الجسيمة، يقتضي تحصين هذه المؤسسة ورفدها بأفضل الملاكات التي لا تمتلك المؤهلات العلمية والثقافية وحسب، بل تستند الى روح المسؤولية والايثار من أجل المصالح العليا للوطن والناس.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة