الأخبار العاجلة

(كتاب الحياة) والرؤى العجائبية

علوان السلمان

(يمكن انتاج الاثراء الغرائبي عندما يضطرب التمييز بين الخيال والواقع) على حد تعبير سيجموند فرويد في كتابه الغرابة/63. عبر السرديات التي هي طاقة لرؤى تطرح تجربة انسانية تنفرد بدقة تصويرها لحركة الحياة المتناغمة بنتاجها الانساني الذي يحققه المنتج كفعل صادر من لحظة انفعال بحدث لتحقيق متعة التخييل والتشكل الجمالي، ومنفعة معرفية من خلال الاجابة عن التساؤلات التي يطرحها النص.
وباستحضار المجموعة القصصية (كتاب الحياة وقصص اخرى) التي نسجت عوالمها النصية وخطتها انامل منتجها القاص عبد الامير المجر، واسهم الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق في نشرها وانتشارها/2018..كونها نصوص تصنف ضمن الاطار الغرائبي او العجائبي fantastic ، لأنها تسبر اغوار عوالم خفية ببنية مغايرة للوجود والاشياء، فضلا عن ان الوصفية الصادمة بمبالغاتها الاسلوبية وانزياحاتها المفارقة للواقع قد لعبت الى جانب السرد دورا مهما في خلق العجائبية السردية التي تميزت بتغير الثوابت بابعادها المتمثلة في:
البعد الخارجي (الكيان المادي للشخصية) والبعد الداخلي (الكيان النفسي والفكري والسلوكي للشخصية) والبعد الاجتماعي (مركز الشخصية اجتماعيا) التي يطغى عليها اللاواقع.
(بقيت ادور في الغرفة وقد امتزج الحرج الذي تملكني بخوف حقيقي دفعني لأمد برأسي من باب غرفتي كي استطلع الامر.. فوجدت الصمت يخيم على الفندق بأكمله ولا أثر لاية حركة فيه..فتحول الخوف الى رعب قاتل..فالغرف التي تجاورني بدت كما لو انها قبور يغلفها صمت مطبق.. حينها قررت ان اكسر الصمت المخيف هذا بإطلاق صرخة..نعم..فهي وحدها الكفيلة بأن تجلب لي من يعنيه الامر في هذا الفندق..كانت صرختي مدوية فعلا جعلت الرؤوس تنز من الغرف..لكن احدا لم يخرج بكامل جسده من غرفته..بل رؤوس مذعورة فقط..كررت الصرخة غير آبه بما يأتي بعدها..فأنا عابر سبيل ولا أحد يعرفني في المدينة..بعد دقائق فوجئت بمجيء رجل منتصف العمر كان يسير في الممر بطريقة مخاتلة وهو عار تماما ايضا ويرتجف..حين اطلت الرؤوس الحائرة المحجوزة في غرفها..عليه من الابواب المواربة الموزعة على الجانبين..تحرر الجميع من خوفهم وخرج بعضهم على استحياء وهم عراة ايضا يسألونه عما حصل في الليلة الماضية..لكن الرجل ظل اسير الخوف الذي تملكه تماما وغير قادر على الكلام..قلت له ان كل شيء في غرفتي قد سرق..وردد اخر كلامي نفسه..ثم ردد الجميع بعدنا كل من باب غرفته: اننا سرقنا ولم نعد نملك اي شيء..اموالنا..ملابسنا واحذيتنا..وليس لدينا ما نستر به انفسنا فكيف نخرج..؟؟) ص8 ـ ص9.

الإشارات والدلالات الفكرية
فالنص حقق توصيله العجائبي عبر اللفظة التي تسعى الى (خلق حركة بوساطة الصور المتتابعة) على حد تعبير فؤاد التكرلي..وبذلك ادت لغته وظيفتها الايحائية التي جاءت متمثلة في الاقتصاد الكلامي..اذ تؤدي كل لفظة دورها الفاعل في الاداء والدلالة:

*الدلالة*
-الدال
مشار اليه خيالي
اللفظ الذي لا يكون للمتلقي
به معرفة حقيقية واقعية
– المدلول
مشار اليه حقيقي
اللفظ الذي يكون للمتلقي
بها معرفة حقيقية واقعية

فالسارد يحاول تأسيس المتخيل ومساءلة بنائه وهو يتعاطى الرموز التي تحمل اشارات ودلالات فكرية من خلال الصور المتخيلة المحملة بالإشارات المجسدة لمجمل سيمياء النص الذي يعتمد اللغة الشفيفة الايحائية كمتن جمالي متكىء على: المخيلة الخلاقة المنتجة للصورة..اولا ومخيلة التذكر ثانيا..بتتابع الاحداث ونسجها في صور حركية داخل بنية تشكلت من جزئيات التجربة كي تعبر عن موقف اجتماعي وانساني حامل لدلالات الواقع بكل تناقضاته وافرازاته.. من اجل بلورة الصورة المتخيلة باعتماد الوجود الرامز من الافعال..حيث التعامل بالحركة والصوت فيخرج بذلك عن دائرة الهواجس الداخلية ليقترب من الطبيعة لدلالات تحقق الفعالية الخيالية…الغرائبية مع مفارقة مستفزة للذاكرة..
(مرت الساعات ثقيلة والجماهير العارية المحتشدة في الساحة العامة تنتظر قدوم رئيس المدينة وتنتظر ما سيقوله..وحين تأخر كثيرا دار لغط بين المحتشدين وسرت شائعات غير مؤكدة تقول ان شبابا من اهل المدينة امسكوا ببعض اللصوص بعد ان طابقوا وجوههم مع الصور المعلقة..كان هناك تدافع وفوضى قرب المنصة التي سيلقي عليها رئيس المدينة خطابه..وحين ازداد الصراخ وعمت الفوضى المكان صار من الصعب معرفة ما يدور بسبب التدافع الكثيف بين الناس قرب المنصة حيث وصل رئيس المدينة اخيرا..
لقد كان الامر مثيرا حقا فالرئيس يرتدي ملابسي التي فقدتها في ليلتي الفائتة او هكذا صرخت حين رايته يعتلي المنصة..لكن صوتي تلاشى وسط اصوات الحشود التي كان كل واحد فيها يصرخ بما قلته..انها ملابسي..يا للهول تصاعد الصراخ الذي تحول الى دوي عاصف..اتجه نحو المنصة حيث يريد كل واحد ان ينتزع ملابس الرئيس التي يقول انها ملابسه..وعبثا حاول رجال الحماية والحرس ايقاف اندفاع الجموع الغاضبة التي راحت تنشب اصابعها في ملابس الرجل لتنتزعها ..وقد كان الغريب فعلا ان كل من ينتزع ما يراها ملابسه ويرتديها يعقبه آخر ينتزع ملابس اخرى تظهر تحتها فينتزعها وهكذا حتى ارتدى الجميع ملابسهم ليبق الرجل عاريا فوق المنصة..)ص12 ـ ص13.

اختراق المألوف السردي
فالسارد هو الذي يتحكم بالسرد المفترض ببصيرة واعية كي يشكل نصا متحركا بخيال خصب..وهذا يحتاج مهارة اسلوبية وخيال بعيد الرؤية باختراق المألوف السردي باعتماد: المعيار الكمي الذي يتحقق من خلاله التكثيف والايجاز مع اقتصاد في اللغة..والمعيار الكيفي المقصدي..المحققان لمقومات السرد(الاحداث والشخوص والزمكانية..) مع تركيز على شخصية تمثل رمزا جمعيا..اضافة الى انه يصور لحظة تتكىء على المفارقة الاسلوبية الادهاشية مع اعتماد المنولوج الداخلي بتصوير الذات في صراعها مع كينونتها الداخلية..فضلا عن توظيف الرمز الذي يسهم في تصعيد التكنيك في العمل النصي..اذ بوساطته يتم استفزاز الذات الاخر من اجل نبش خزانته الفكرية للوصول الى المعرفة واستنطاق ما خلف الالفاظ للكشف عن الصورة المأسوية التي يرسمها المنتج لاظهار تفاهة الحياة بوضوح مع ابراز الجانب الجوهري للشخصية..
فالنص يتميز بخصائص فنية متداخلة وظفها السارد لتبليغ افكاره وتحقيق لوحته المشهدية الجمالية..منها السمة الفلسفية(الحياة والموت) والقرار الشكسبيري(اما ان نكون او لا نكون) وتقنية التذكر والاسترجاع التي يعتمدها السارد للتشويق بتوضيح الغامض والغائب..كي ينحو في نصه منحى يتجاوز فيه خطى التقليدية والمألوف بتعبيره عن اجواء المواجهة بين الانسان ولا عقلانية الواقع لغرض الاقتراب من الوعي بالحياة وموجوداتها..واعادة خلق الواقع من خلال منطقه الداخلي الذي يكشف عن حقائق جوهرية لايمكن استبصارها الا بوسائل تعبيرية معاصرة تنحصر في توظيف الحلم(قدر الانسان الذي يسكنه ويلازمه) على حد تعبير غاستوف باشلار..او عالم اللاوعي والرمز من اجل الكشف عن اسرار التناقض الكامنة في الحياة الانسانية..اضافة الى توظيفه الحوار بشقيه(الذاتي) الصيغة التوصيلية ما بين الذات بوصفها كينونة نفسية والذهن بوصفه كينونة عقلية توليدية للمعرفة التي تنتجها..فضلا عن انه يكشف عن ابعاد الشخصية الجسمية والنفسية والاجتماعية..وهناك الحوار الموضوعي(حوار الشخوص)الذي يعد من ابرز العناصر التعبيرية والتصويرية الذي فيه يغيب الراوي العليم ويتنحى جانبا.
(وسط الضباب الذي بدا في شاشة الرصد اشبه بسائل ازرق..لمح المراقب شيئا غريبا يتحرك..اندهش وقرب الصورة اكثر ليتبين ملامحه..وظل لبرهة يتأمل به..ثم سارع الى مكتب كبير العلماء واخبره انه التقط صورة لشيء غريب على حدود مجرة(اسو) تقريبا..ويبدو انه متجه نحو مجرة(نوهو).. ينهض العالم العجوز من مكانه متثاقلا وقد توقف لبرهة ينظر بوجه المراقب الذي ظلت تغلفه دهشة غير مسبوقة ثم ابتسم بوجهه وتوجه الى شاشة الرصد..تسمر امامها واخذ يتأمل الشيء الغريب وقال للمراقب:احصر الهدف واستمر بملاحقته..انسحب وهو يرتجف وطلب اجتماعا طارئا لجميع العلماء في مركز الرصد الخارجي لكوكب(ميسو) وبلهجة تعكس شعورا بالفرح ممتزجا ببعض الاضطراب قال مخاطبا الحاضرين:اعتقد ان ما تم رصده قبل قليل يعود لذات الكائن الذي تحدث عنه العالم الراحل (شول) في محاضرته الشهيرة التي اكد فيها وجود كائنات حية في المجرات الاخرى وتحديدا تلك التي اسماها(مجرة الشمس) وان الصورة التي التقطها الرادار اليوم هي للكائن الذكي الذي توقف عنده العالم (شول) طويلا بالدراسة والتحليل..وخلص الى القول انه انقرض منذ مئات الالاف من السنين وربما اكثر بكثير..ثم اشار الى العلماء ان يتابعوا معه على الشاشة التي ظلت تلاحق الشيء الغريب ويدققوا به قبل ان يستقر رايهم جميعا على ارسال سفينة فضائية للوصول الى هذا الكائن الذي يسبح في الفضاء الخارجي وجلبه..وهكذا كان لاحقا رأي رئاسة الكوكب بعد ان تحققت من اهمية هذا الانجاز العلمي الذي سيحققه الكوكب بعد سلسلة بحوث في العالم الخارجي..) ص82 ـ ص83.

الدراما والخيال العلمي
فالقاص يلمح الى حقيقة اختلاط الواقع بالوهم نتيجة التوتر والقلق وحدوث الانعطافات الاستثنائية مجتمعيا..والتي شكلت احدى بواعث انتاج النص الغرائبي او العجائبي..بكسر المألوف وتجاوز الممكن ليخترق المستحيل بتمازج العجائبي والخيال العلمي لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه محدثا بذلك حالة من الدهشة..لذا فالسارد يبني نصه برؤاه وادواته الفنية واشعاعه الفكري من خلال كوامنه الذاتية.. وصوره.. وخيالاته المركزة مع تنامي درامي يعبر عن حركة الحياة..اذ يتعانق في نصه العجائبي والخيال العلمي عبر خطاب تخييلي..مع تميز كل منهما بميزاته الخاصة..فالعجائبي يهتم بالانسان المعاصر في اطار اللحظة وزاوية نظر تعكس الداخل والخارج..بينما الخيال العلمي فيهتم بالمستقبل وانسانه الكوني والحلمية الممتدة على جسد النص..
هذا يعني ان السارد يطرح في نصه الانموذج المتفرد في جو يعتمد المشهد الذي يعرض جانبا من جوانب الواقع لاعتماد الاختزال في الامتداد الزمني..وهو ينطلق من واقع اجتماعي يعيشه ويعايشه بوعي..اذ يلج المنتج دائرة الزمن من المكان متواصلا معه لبلورة الفكرة..عبر بناء فني يعتد الوصف البعيد عن الاستطراد كمحور في سرد الاحداث وتفجيرها من دون ان يتجرد عن الخطابية الواعية..
من كل هذا نستطيع القول بثقة مطلقة..ان القاص حقق في مجموعته هذه حضوره عبر لغته الرؤيوية التي تسوح بقارئها بعيدا..فتمنحه ابداعا يفتح الشهية على حركة الواقع النابضة بالحياة..باستخدامه الجمل الموجزة والضربات المتتابعة ..فضلا عن تجريد الفكرة من ظواهر الحياة باحساسه وتأمله من خلال اقتراب مناخاتها من المناخ الاجتماعي الانساني..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة