الأخبار العاجلة

«التطبيع» الذي يريده الإسرائيليون 1-2

حسن خضر

سألتُ أ. ب. يهوشواع، في سياق سجال طويل، قبل ما يزيد على عشرين عاماً: فلنقل إن السلام حلّ في هذا الجزء من العالم، وأن إسرائيل أصبحت جزءاً من المنطقة، وبما أن المال بلا رائحة، كما تعرف، بماذا ستشعر إذا رأيت السعوديين والخليجيين يتجوّلون، ذات يوم، بجلابيبهم البيض في ديزنغوف سنتر؟
يهوشواع أحد أبرز الكتّاب الإسرائيليين، وأكثرهم اهتماماً بالمعنى الأدبي والفكري والسياسي، بأشياء من نوع الهوية، والثقافة، والصهيونية. وهو، أيضاً، من الوجوه البارزة في معسكر «السلام» الإسرائيلي. وقد اخترتُ الكلام، في حينها، عن ديزنغوف سنتر بوصفه مركز النشاط التجاري في قلب تل أبيب، ومعلما بارزا في المدينة، ومن مصادر فخرها. وقد يبدو السؤال عرضياً ما لم يكن القارئ مُطلعاً على مكان ومكانة تل أبيب في السردية الصهيونية، وفي هوية الإسرائيلي الجديد.
على أي حال، كان ما قرأت من تعبيرات على وجهه حين سمع السؤال أكثر بلاغة من كل ما قال من كلام، كان للسؤال وقع المفاجأة، وقد ارتسمت على وجهه علامات الحيرة، واحتاج بعض الوقت قبل القول بأنه يجد صعوبة في التفكير في مشهد كهذا. ولا أعتقد أن ثمة مجازفة في القول إن ردة فعل نسبة كبيرة من الإسرائيليين لن تبتعد كثيراً عمّا قال، وعمّا رأيت.
أفكر في هذا الأمر الآن، وفي الذهن، أنباء العلاقات الإسرائيلية مع السعودية ودول الخليج، بما فيها قطر «المُقاومة والمُمانعة». وهي الأنباء التي يضعها المؤيدون والمعارضون في خانة «التطبيع». وثمة ضرورة، في الواقع، لوضع هذه الكلمة بين مزدوجين للتذكير بما يكتنفها من غموض، وما تنطوي عليه من التباس.
وفرضيتي الرئيسة في هذا الشأن أن دلالة «التطبيع» في ذهن الإسرائيليين تختلف تماماً عن دلالتها في أذهان مؤيدي «التطبيع» في العالم العربي ومعارضيه على حد سواء، وأن في إسرائيل جبهة قوية، اجتماعية، وسياسية، وثقافية، لمقاومة «التطبيع» بالطريقة التي يتصوّرها العرب.
لذا، سنكرّس القسم الأوّل في هذه المقالة للتفكير في معنى «التطبيع» في ذهن صنّاع السياسة في إسرائيل، ونكرس قسمها الثاني في أسبوع لاحق للتفكير في دوافع ومُحرّضات صنّاع السياسة في السعودية والخليج لذبح أبقار كانت حتى وقت قليل مقدسة، في العلن في الأقل، والاقتراب بخطى متسارعة مع إسرائيل.
وإذا شئنا اختزال دوافع إسرائيل «للتطبيع» مع السعودية وبلدان الخليج، في هذا الوقت بالذات، فلنقل إن ثمة طاقة ذهبية تنفتح الآن، لتمكين إسرائيل من توفير الحماية الداخلية والخارجية لحلفائها المُحتملين، كما فعلت الولايات المتحدة في زمن الحرب الباردة. وهذا يستدعي دمجها في منظومة الأمن الإقليمي، مع الاعتراف بخصوصيتها ومكانتها الخاصة، وتمكينها من قضم جزء مُعتبر من كعكة النفط، والسلاح، والتكنولوجيا، والخدمات الأمنية، والأسواق.
ثمة عوامل كثيرة أسهمت في فتح الطاقة الذهبية منها انهيار العالم العربي. الانهيار ليس كلمة عابرة، ولا فيها ما يدل على التشاؤم، أو التهويل، فنحن نتكلّم، هنا، عن عملية بدأت منذ أواسط السبعينيات مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، واستمرت مع الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي غطت عقد الثمانينيات، وتواصلت في عقد التسعينيات الذي بدأ بغزو الكويت، وحرب تحريرها من الاحتلال الصدّامي، علاوة على ما يدعى في الجزائر بالعشرية السوداء، أي الحرب الأهلية التي كانت مقدّمة للحروب الأهلية العراقية والليبية والسورية.
في العشرية التالية وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول الإرهابية المجنونة، ووقع احتلال العراق، وصعد نجم «القاعدة»، وصعدت معها السلفيات الجهادية، واندلعت الحرب الأهلية العراقية. وفي عشرية تلتها اندلعت موجة الربيع العربي، وأعقبتها حروب أهلية لم تتوقف بعد في ليبيا وسورية، والعراق، وصعد نجم الدواعش، الذين سيطروا في سورية والعراق ما بين 2014- 2017 على ملايين البشر، ومساحات بحجم دول، وضرب الإرهاب في كل مكان. لن يفهم أحد معنى ما حدث، ولماذا حدث، وكيف حدث، ما لم يضع كل ما ذكرنا في سياق حروب الوكالة في زمن الحرب الباردة، وما نجم عن إعادة ترتيب الأوراق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، وسقوط الناصرية، والتحوّلات الكابوسية للبعثين العراقي والسوري، وتصفية ما تبقى من فلول الراديكاليين القدامى كأنظمة، وأيديولوجيا، وتنظيمات، سواء بالإفقار والرشوة، أو التصفية، أو الإغراق بفيضان السلفيات والجهاديات والأصوليات، في أكبر عملية للأسلمة ربما في كل تاريخ العالم العربي والإسلام.
بمعنى أكثر مباشرة حتى لو كان العالم العربي، كما عرفناه، مصنوعاً من الفولاذ الخالص، ففي كل ما تقدّم ما يكفي لكسره وتذويبه على مدار أربعة عقود من الاستنزاف المتواصل، في هذه العملية الطويلة انهارت الحواضر، والقوى الكبرى والبينية التقليدية في العالم العربي، وانهارت مجتمعاتها.
وعلى خلفية كهذه، تنفتح طاقة أمام الإسرائيليين لإغلاق الملف الفلسطيني بتصفية البعد القومي للمسألة الفلسطينية وتحويلها إلى شأن داخلي يندرج في حدود ومعاني السيادة. بكلام آخر: حسم الإسرائيليون في حرب العام 1967 النتائج الجغرافية والديمغرافية والسياسية لحرب العام 1948، ولم يتمكنوا، بعد، وعلى مدار نصف قرن مضى، وحروب كثيرة، من حسم نتائج حرب العام 1967 نفسها.
لذا، لن يتمكن أحد من «التطبيع» مع إسرائيل، ما لم يكن في هذا ما يحسم نتائج حرب العام 1967 بالطريقة التي تريدها. أما التفكير في «التطبيع» بوصفه زياراتٍ، وسياحةً، وتقارباً على المستويين الثقافي والاجتماعي والإنساني، مع أبناء العمومة، أو حتى «تبني» الرواية الصهيونية نفسها، فهذا آخر ما يشغل بال الإسرائيليين.

ينشر بالاتفاق مع جريدة الأيام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة