الأخبار العاجلة

خصوبة الرؤية.. في (حزنخانة)

علوان السلمان

النص الشعري مغامرة فكرية حالمة بجنة مفقودة يحققها منتج(شاعر) عبر مغامرة تجريبية كاشفة، رائية، متجاوزة للواقع، بلغة مشحونة بايحاءاتها الخالقة لصورها المستفزة لذاكرة المستهلك(المتلقي) والنابشة لخزينه المعرفي للإجابة عن اسئلتها باستنطاق صورها والكشف عما خلف الفاظها الرامزة وتشكلها الجمالي الرافض للتأطير، والموقظ لمكامن الشعور.
وباستحضار المجموعة الشعرية (حزنخانة)..التي نسجت عوالمها الصورية الجامعة ما بين النص العمودي متمثلا في(يا مضمر الشجن الانيق):
قم للمعلم واحتضنه وساما واجعل لرفعته النجوم مقاما /ص122
و(يا نجمة الحظ البعيدة):
من تحت غيمته تلوح فسائل وبروحه العطشى تمر قوافل /ص126
والنص النثري المفتوح انامل الشاعر علي مجبل المليفي واسهمت دار المثقف في نشرها وانتشارها/2018. وهي تفرش امام متلقيها عوالم الروح المعبرة عن مكنونات الذات الرومانسي القائم على الاحساس (بوقع الكلمات من حيث الشكل لا من حيث المعنى). على حد تعبير سارتر.لانها الوجود الحالم. المستبطن اسرار الذات والذات الجمعي الآخر النفسية، ابتداء من العنوان الايقونة الدالة على واقع مأزوم والكاشف عن المكان البؤرة الثقافية المضافة المكتظة بحزنها المتمرد على هموم الحياة، واهداء شكل نصا موازا كاشفا عن المتون النصية بعنواناتها:
(الى دمع العراق النبي /والامة الرسولة /الى بلادي التي طينتها الليالي/واغرقها الجفاف) ص5
كن ولو مرة تنظف الابجديات بسفينة المعنى
كن ولو فرصة ترابية بلون المضيعين
كن للوراء
وانت تطوف بنافذة ما مر اسلافك بمضافاتها
نحن الذين نجر الالوان لنكمل اللوحة التي تتطاير منها النبال
كما نذرف الاغاني لوطن يبيع الحقائب بطعم الفراق
الكلام هو مضيعة في منتدى الرواة كما قلت لك
لا جدوى من لغة عجلاتها بلا هواء
كيف تمشي وكلك ينزف كهودج من الحزن والاسئلة /ص17
فالنص على المستوى التخييلي يتجلى بتماهي الشاعر واخلاصه لمبتغاه بتدفق وجداني منبعث من دائرة الوعي الشعري المؤطر بعوالمه الصورية ودلالاته الموحية بتقنيات فنية يأتي في مقدمتها التكرار الاسلوب التوكيدي المزيل للشك والنمط الصوتي والدلالة النفسية التي من خلالها يعلن الشاعرعن مشاعره المكبوتة..فضلا عن الرمز الاستعاري الذي هو اداة فكرية للتعبير عن قيم غامضة لغرض تصعيد التكنيك الشعري..اذ فيه تسمو التجربة الشعرية فتتحول الصورة الى رؤيا تستمد نبضها الدافق من الذاكرة الذاتية والموضوعية بتوليفة تجمع ما بين الواقعي والتخييلي..
الهي اني اشتاق الى وطن..بلا اقدام
كي لا يتبعني
يا اهل الكوفة والبصرة.. يا مطفأة القيامات
انكما ماء العراق الاول ولوحته النازفة
مولاي اني بقدر ما حملت من الرايات
غدوت بلا..قضية
بلادي التي تنفعل وتمسك شاربها…كالعادة في آخر الليل
تسترخي في رابعة النهار
وتنام على وجع السقيفة متنكبة بالرواة
حيث سقاؤو الاحزان..يزرعون الجفاف
وينهمرون كالجراد على القصاع / ص23
فخطاب الشاعر خطاب الذات ومناخاتها للتعويض عن الغربة التي يحس بها ومن ثم ايجاد حالة من التوازن بينه والعالم المحيط به.. فكانت رؤيته الشعرية تتصل بطبيعة نفسه وتكوينه الفكري والروحي وظروف حياته والواقع.. باعتماد الوحدة والكثافة الغنائية التي تعتمد ضمير المتكلم الذي يميزها عن السرد المكثف والتوهج وانزياح لغتها عن المألوف مع وجود الايقاع والعاطفة…فضلا عن تنوع اشكال الجملة الشعرية في خطاب الشاعر وعدم خضوعها للمعايير التقليدية..اضافة الى انه يتميز بالتدفق الخيالي والتشكيل البلاغي وتوظيف المكنون السردي والحواري في الجملة..مع توظيف الفنون الحسية والبصرية والمكانية لخلق عوالمه الشعرية..اضافة الى توظيف سيميائية التنقيط التي تحيل الى علامة من علامات الترقيم(دلالة الحذف) التي تشكل(نصا صامتا تتعطل فيه دلالة القول)..والتي تضفي بعدا تشكيليا وتفتح باب التأويل فتستدعي المتلقي لفك مغاليق النص واسهامه في ملأ فراغاته.. فالنداء (الحركة الزمنية المتراكمة بتأثير الصور في وجدان الشاعر تراكما كثيفا مترابط الوحدات وهو يعتمد النمو الزمني ..)اذ فيه تتوافد الصور من القلب وتتراكم فوق بعضها والشاعريوقظها من سباتها لينسجها بعقلانية فكرية مشوبة بالخيال.. هذا يعني ان النص يكشف عن عاطفة انسانية تختلج في نفسه حتى انه يوظف الجسد للتعبير عن انفعالاته ومواقفه..كونه يجيد العزف على اوتاره روحيا واشاريا ليخلق ايقاعا يستفز الذاكرة الذاتية (الانا) والموضوعية(الانت) الذي يستنطق عوالم النص ويكشف عن ابعاده(اجتماعيا ونفسيا..).. وعوالمه المتصارعة التي شكلت زخما من الالفاظ المتناقضة في دلالتها ومعانيها..و المتناسقة في نسجها ووظيفتها..
انك وحدك المقيم في فردوس النهارات
امنح قلبي تأشيرة غيم..لابلل وقتي
انت المولود كقنديل مجروح
والنائم كتمثال تعمد بالريح
يا غصن الارض الراكض بالغيم
لا..لا تتلفت
فجرح البلاد يسهر كالمنائر /ص110
فالنص بتزاحم صوره الموحية يتوق للتوحد والخروج عن الذات ليذوب في الآخروجودا وفعلا فاعلا ومتفاعلا..من خلال خطاب الشاعر الذي هو خطاب الذات ومناخاتها للتعويض عن الغربة التي يحس بها ومن ثم ايجاد حالة من التوازن بينه والعالم المحيط به.. فكانت رؤيته الشعرية تتصل بطبيعة نفسه وتكوينه الفكري والروحي وظروف حياته والواقع.. باعتماده الوحدة والكثافة الغنائية التي تعتمد ضمير المتكلم الذي يميزها عن السرد المكثف والتوهج وانزياح لغتها عن المألوف مع وجود الايقاع والعاطفة…
الطريق الذي افضى بنا
هو لم يكن العمر الذي تكاتبنا عليه
قالوا…لك ان تكون طليقا كالبراري
وصبحك مضيء..كالزعتر
جملوا لنا الباحات بعشبة الخلود
وأناروا لنا تمثال انكيدو
يا الهي انت ترى جند سراياك
بالكنائس والمعابد
انت ترى كيف كان بطرس المقدس صيادا للسمك والاقدار
يا الهي نرى اقدامك تغطي هزائم الانسان /ص57
فالمشهد النصي يتشكل من خلال تداعي الزمن في الذاكرة التي تستدعي الماضي عبر تقانة(الاسترجاع)وتستحضر قيمه ورؤياه وافكاره ورموزه بصفته بؤرة النص والذي ينبثق من جملة من القيم الفنية والموضوعاتية التي يوظفها (المنتج) الشاعر بامكانات وقدرات اسهمت في ايصال مضمون النص الفكري والانساني عبر لغة متفجرة..متميزة بتكثيف واختزال العبارة واعتماد المجاز والدلالات الموحية التي اسهمت في تأثيث النص وعوالمه لتحقيق وظيفة مزدوجة تجمع ما بين اللفظ والاشارة المتداخلتين المحققتين للوظيفة الاغرائية التي تميل الى التأويل للكشف عما خلف الالفاظ والمشاهد.. المحتشدة في نسيج البناء النصي المنطلق من فلسفة انسانية تقوم على الطروحات النفسية والفكرية التي تستدعي المستهلك(المتلقي) لفك شفراتها باستحضار الخزين الذاكراتي واعتماد التشخيص والتحليل والتأويل..اضافة الى توظيف الميثولوجيا والمتخيل الشعبي الذي جاء على مستويات متعددة من حيث المبنى والمعنى والمرجعية الحكائية(تاريخية/اجتماعية/اسطورية..)..
وبذا استدعانا الشاعر لرحلة شعرية مكتظة بعوالها الخصبة بالرؤى والاحاسيس ..باسلوب سردي شائق متكيء على التكثيف الجملي المبتعد عن الاستطراد الوصفي لخلق نص حسي..شعوري..مكتنز بالعواطف الانسانية روحيا..والاجواء الرومانسية المحركة للحواس الشعورية.. بائتلاف الجمل والتناغم الصوري والايقاعي..الجمالي الذي ياخذ نسقه من عاطفة النص الغارقة في الوجد الذي يسبح الشاعر وسط عوالمه عبر فضاءات منفتحة على آفاق دلالية مشبعة بها الذاكرة الشعرية المنتجة لصورها المتجاوزة بحلميتها لتخلق خطاب يتكيء على فضاء دلالي عبر بنية يغلب عليها الانزياح الذي يكشف عن امتلاء المخيلة بالمعطيات الحسية..وبذلك وفق الشاعر(المنتج) في الحديث عن نفسه حديثا متوازنا من خلال الصور المجردة التي صيرت التعبير الشعري تداولي المعنى..لايخلو من حس دلالي عن طريق استثمار اسلوب الاستفهام والتنقيط والتكرار الذي وظفه للتوكيد وتوسيع مدى النص والصورة..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة