الأخبار العاجلة

السيناريو الأميركي في.. «لماذا تكرهين ريمارك ؟»

يوسف عبود جويعد

عبر الواقعية السحرية , يقدم لنا الروائي محمد علوان جبر روايته (لماذا تكرهين ريماك ) والتي تدور أحداثها في أحلك وأصعب الحقب الزمنية التي مرت على هذا البلد , ومن خلال شخوص لعائلة تسكن مدينة الثورة , تلك المدينة التي كانت ولا زالت تتأثر وتؤثر , وتتلون وتتغير مع متغيرات واوضاع وظروف وحياة البلد , وحسب المقتضيات التي تتطلبها المرحلة , فقد واجهت وصمدت وصبرت في اعتي واصعب الظروف التي عصفت في هذا البلد , وواجهت رياح عاتية قاسية , ووقفت بوجه الظلم والطغيان والتعسف والقمع , وقدمت قرابين من الشباب في الحروب التي إشتعلت وفار بركانها , وتناثرت حممها الحارقة , من هذه الارضية الصلبة القوية المتجذرة في قاعه ,تنطلق احداث هذه الرواية , في نسيج سردي متداخل متشابك , الا أنه يمثل أكثر من محور :-
– ثريا الاخت الكبرى لهذه الاسرة , والتي ما برحت المدينة أو غادرتها , وظلت تسكن في بيت الاسرة رغم كل هذه المتغيرات , وكانوا يطلقون عليها (باجي ثريا) وهي المدون الاول للمسيرة السردية
– نورية التي كانت ظهورها سريعاً وهامشياً
– خولة التي كانت منشغلة بإعداد مراسيم زواجها
– برهان وهو بطل هذا النص والشخصية الاساسية التي اهتم بها الروائي واولاها مهمة سرد الاحداث
– رزاق الذي استشهد في االحرب الاولى
– اكرم صديق برهان وصديق الاسرة ايضاً والذي يصاب في انفجار ايضاً ولكنه ينجو بعد أن يبتروا ساقه , فيضطر الى ارتداء طرف صناعي وعكاز
– هالة تلك المرأة التي أحبها برهان وظلت في ذاكرته وقلبه رغم ابتعادها
من هنا نكتشف وعبر الاشارات السيمائية , أن هؤلاء الاشخاص البارزين في المبنى السردي , هم نتاج هذا الخراب , وأن تضررهم كان سببه تلك المتغيرات السيئة التي عصفت بالبلاد , وكانت إنعكاسات قاسية أصابت صميم حياتهم , البدنية , والاجتماعية , وثقافتهم , ووعيهم , وكان التشتت حالة طبيعية تحدث في مثل هذه الظروف ( – هل من المعقول أن يسقط السقف الذي عاشت تحته عائلة «نوري عبد العزيز» ؟ يا أم سمير, أيتها المعتوهة , صدقيني .. ما زالت روائحهم تنبعث من كل مكان في البيت (أجل .. المكان الذي مات فيه أبي وأمي والمكان الذي وضع فيه تابوت رزاق , الذي حاول أن يسد الكثير من فراغ خلّفه سفر برهان ,لو لا الحرب التي أخذته منذ أيامها الاولى )ص 11
أن الروائي أراد في مستهل روايته أن يؤكد للمتلقي , أن الاحداث تدور فوق هذا الخراب , ليكون لهذه الرواية خزين فكري وتاريخي واجتماعي يشكل الثقل والوتد التي تستند عليه الاحداث , إذ أننا بعد ذلك سوف نرحل الى أعماق النص , معتمدين على هذا الاسترسال الذي وفره لنا الروائي , والذي يمثل الايقاع المتزن له , حيث ننتقل من التعريف , الى الحبكة بهذا اللغة السحرية بإنطلاقة حرة دون أن يحدث ما يعكر صفو هذا الايقاع , حيث نكون مع اكرم بعد أن يخرج من المستشفى بعكازين , وثريا التي تتابع حركة الحياة , وتعيش الذكريات في البيت , وبرهان الذي غادر البلاد بجواز سفر اكرم , كونه وجد صعوبة بالسفر بجواز يحمل اسمه الصريح , وفي إنتقالة نحو المتغيرات التي طرأت في أحداث الرواية فإننا سوف نكتشف أن اكرم (سيناريست ) متمرن , كما إننا سوف نكتشف الثيمة الرئيسية لبنية العنونة من خلال متابعتنا لدورة الاحداث (بدأت بوضع سيناريو بانورامي للحرب معتمداً ثيمة الفصول الاولى من رواية الالماني أريك ماريا ريماك «للحب وقت ..للموت وقت» وقد وضعت لها عنواناً قال لي برهان إنه عنوان جميل ومناسب «لماذا تكرهين ريماك؟» حيث اختاره مع هالة عنواناً لإحدى لوحاته )ص 70 .
كما سوف نكتشف دخول الميتا قص في الرواية , من خلال إختيار السيناريست أكرم قصة للكاتب (محمد علوان جبر ) (تراتيل العكاز الاخير ) لتحويلها الى سيناريو , ثم اخراجها في فيلم , وقد نقل الروائي , جزء مقتطع من هذه القصة والتي تعد من اجمل ما كتب الروائي والقاص من قصص الحرب , وهكذا فإننا كلما ما توغلنا في الغابة السردية , التي إنشئت بإتقان , فإن الاستكشافات تكثر , والمفاجآت مستمرة , والانتقالات جديدة ومبهرة , حيث ومن خلال السيناريو الذي بدأ بتدوينه اكرم , ندخل معترك آخر , وفناً آخر من فنون صناعة الرواية الحديثة , وهو الميتا السرد , وفي هذا السيناريو الذي كتبه اكرم نكون في بستان لفلاح وهو يسمع ويشاهد حركة غير طبيعية في إحدى الاشجار الكبيرة لهذا البستان , وعندما يقترب منها , يكتشف وجه شمعي ,و مظلة , وبعد الاقتراب يتفاجأ بجنرال امريكي يهبط في مظلته فيقع على قمة الشجرة , وهو هارب من الامريكان , وليبس من العراقيين , كون أن مهمته انتهت بالخدمة , وانه يحتفظ بأسرار كبيرة تخص العمل في الجيش الامريكي , لذا فأنهم ارسلوه في طائرة لتنفجر في الجو , الا أنه استطاع إنقاذ نفسه في اللحظات الاخيرة والهبوط في مظلته على هذه الشجرة العائدة لبستان هذا الفلاح والذي إسمه (جواد ناصر) , وهذه الاحداث التي ضمها الميتا سرد , شكلت حالة انتقال سحرية في المبنى السردي , والهبت الاحداث , وجعلتها ساخنة , ممتعة مشوقة , ( يعود الى الحديقة « يجب أن نخفي هذه الأجهزة .. هل تسمح لي بدفنها هنا؟ سأشرح لك لماذا .. لكن ليس الآن « .. لم يمانع , بل ساعده في الدفن , ثم أشار الى المظلة , التي قام بطيها , فحفر في اقصى المزرعة حفرة عميقة ودفناها فيها وحرصا ان يساويا ترابها .. كما وضعا قطعاً صغيرة من صخور وأحجار وقطعاً صغيرة من الطابوق عليها , دقق مكاني الحفرتين , حفرة الكلب التي توارت تماماً وحفرة المظلة التي غطيت بالاغصان والحجارة , أطلق تنهيدة ارتياح , قاده مباشرة الى الغرفة الحصينة .)ص100 .
ومن هنا عبر انتقالتنا الجديدة في المسيرة السردية لهذا النص , سوف نكتشف الثيمة المهمة التي حدت بالروائي , إدخال هذا الميتا سرد داخل متن النص , إذ اننا سوف نكتشف معلومات مهمة وخطيرة تتعلق بستراتيجية الامريكان ومخططاتهم من اجل تدمير هذا البلد , الذي يعد قلب الامة , وبتهديمه وتخريبه تتحقق الغاية في خلخلة نظام الحياة في الامة برمتها وجعلها تعيش حالة الفوضى والخراب , حيث سنتابع تفاصيل دقيقة في هذا السيناريو , المداهمات المستمرة لهذا البستان من قبل الامريكان , والتحقيق العنيف الذي تعرضه له الفلاح والتفتيشات الليلية والنهارية , من اجل القاء القبض على الجنرال واغتياله , الا انه كان حذق ويعرف اهدافهم , وبمجرد قدومهم يختفي بمكان سري جدا , بعدها يعتقل الفلاح في معتقلات الامريكان , وبعد هذا التوغل في الغابة السردية للميتا سرد , نعود لمتن النص لنتفاجأ بأستلام اكرم ورقة من قبل احد اصدقاء فيها عنوان (سلمان باك ) ومخطط لبستان هو السابع من تلك البساتين , فيه شخص اسمه (جواد ناصر) عليه الذهاب اليه , وتنبيهه كونه مهدد وحياته في خطر , الا أن اكرم بالرغم من ان هذا العمل إنساني ويجب ان يقوم بذلك , الا ان الفترة التي استلم فيها الورقة , كانت المعارك تدور طاحنة في هذه المنطقة , وخطورة وصعوبة الوصول اليها , وعندما يعود برهان الى بغداد دب الامان في المنطقة , فطلب برهان من اكرم ان يذهبا لهذا البستان , وعند وصولهم تكون المفاجأة والدهشة والانبهار , حيث يكتشف اكرم ان هذا البستان ذاته الذي هو ضمن السيناريو , وان (جواد ناصر ) شخصية حقيقية في ارض الواقع وانه معتقل فعلاً , وان الامريكان لازالو يبحثون عن الجنرال , وهذا النقلة الساحرة الغرائبية شكلت حالة ذهول ذهني لدى المتلقي , اذ اتصل الواقع بالخيال , وارتبط الميتا سرد مع متن النص , وصارت الاحداث شائكة وغريبة , والامر الادهى ان الفلاح ترك رسالة للشخص الذي يسكن البستان بدلا عنه , بأن هنالك شخص يسير باطراف صناعية وعكازتين , هو المنقذ للاحداث التي مرت بي , وعليه ان يجد نهاية لهذا السيناريو , ومن هنا تبلغ الاحداث ذروتها وتتداخل خطوط المسار السردي وتتصل مع بعضها , حيث علاقة الحب بين برهان وهالة , وكذلك حياة سميرة ومتابعتها الغريبة لهذا السيناريو , واشراف ثريا على قمة تلك الاحداث , والمفاجآت الكثيرة التي ساهمت في سمو ورفعة وعلو الاحداث
( كاد اكرم أن يسأل عامر ديوان عن الغرفة الحصينة وهل هي موجودة فعلاً ام هي من اختراع مخيلة كاتب السيناريو ؟ لكن عامر ديوان سبق أي سؤال يمكن ان يطرحه اكرم او برهان .. قطع عليهما الطريق كأنه كان يقرأ ما يدور في أفكارهما «تعالا الى داخل البيت .. فالجو بدأ يبرد قليلاً» .. كانت البوابة تشبه تلك التي وصفها اكرم في السيناريو , وزاد الالتباس والتشوش في مخيلتهما التداخل الصارخ مع يقينهما الذي كان يكبر كلما كانا يسيران ) ص 144
وهكذا فأن نهاية الاحداث ظلت مفتوحة , وظل السيناريو المرعب دون نهاية ,وظلت الاحداث التي دارت في متن نص المبنى السردي حالة تأملية مفتوحة
أن رواية (لماذا تكرهين ريماك؟) للروائي محمد جبر علوان , نقله جديدة نحو الرواية الحديثة حيث استطاع الروائي استخدام ادوات وتقنيات حديثة , مع الادوات الاساسية في فن صناعة الرواية الحديثة , حيث اختارلها نمط الواقعية السحرية كسياق فني لسرد الاحداث , وكذلك الميتا قص , والميتا سرد , والسيمائية , والرمزية , وانها ارتكزت على قاعدة صلبة هو تاريخ حياة هذا البلد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة