الأخبار العاجلة

كتاب يثير السؤال النائم: ما الذي سقط؟

الكتاب (الاشرطة) الذي تنشر «الصباح الجديد» فصوله عن الاجتماعات والمناقشات غير المعلنة لهيئة اركان النظام السابق يعيد لسؤال نائم عما سقط من افكار وممارسات وتصورات ذلك النظام وما لم يسقط؟
انه يعيد طرح الاشكالية ذات الصلة بطرق ادارة الدولة بعد حكم صدام حسين حيث النتيجة بمنزلة كارثة، فقبيل غزو العراق في التاسع عشر من آذار 2003 لم يكن احد في العالم يعتقد ان عراقياً واحدًا سيأسف على رحيل صدام حسين، فقد ارتبط اسمه ببطش وحروب ومجاعات وعزلة وذنوب وحكم فوق جماجم ما لا يبقي للاسف مكاناً، ولم يتصور احد بأن الطبقة السياسية الجديدة التي ستتصدر الادارة والحكم لن تأخذ العبر من تجربة صعود وسقوط صدام، إذْ كشفت عن انانيات كارثية اكتوت، بنتيجتها، الملايين الآمنة بعواصف الغبار الطائفية وبتردي الخدمات وانعدام الامن والاستقرار ودفعت الالوف من العائلات ثمناً باهظاً من التضحيات والتنكيل في مجرى انتشار الاعمال الارهابية والاستئصال الطائفي والديني، بل وحُشر الراهن العراقي كله في طريق مجهول مثير للقلق والذعر.
يضاف الى ذلك ان الكثير من السياسيين الذين امسكوا باقدار البلاد كرروا ممارسات صدام حسين وطريقته في ادارة الشؤون العامة والاستئثار بالسلطة والتصرف بالمال العام، بل واهداره، وتكوين البطانات والحبربشية من ابناء القرية والعشيرة والطائفة، فضلا عن إقامة الانصاب والجداريات والتعالي على المواطن، ومخاطبته من وراء حزام الحراسات السميك، والصارم، ثم، إبقاء الغالبية الساحقة من القوانين التي اصدرها صدام حسين، والتي شكلت قيداً على حياة الملايين العراقية، قيد التطبيق.
في هذه المفارقة التاريخية، وتناقضاتها وفجاجاتها، بدا ان الدكتاتور سقط، كنظام سياسي لا رجعة له، لكنه لم يسقط في الواقع بل استمر في جانبين،الاول، في ما يتعلق بايتام واتباع بقوا ينفخون في «امل» انهيار التغيير وعودة السلطة اليهم، والثاني، في استمرار فن الحكم الصدامي، ممارسات واخلاقيات وقواعد حكم، وحتى في ضيق الرؤية للعلاقات مع العالم والدول المجاورة.
كان سقوط صدام مدوياً، في الزمان والمكان، وكان سيكون اكثر دوياً واثراً لولا هوس التسلط المنفلت للاعبي عهد ما بعد السقوط، ولولا نعرات التشفي والانتقام الطائفية وسلسلة المحاكمات، هابطة المضمون والاداء والمستوى، ولولا «خربطات» برايمر ونزقه، وتخبطات جيش الدولة الغازية، وكل ذلك ترك لـ»الساقطين» هامشاً يلعبون فيه لإعادة تركيب هزيمتهم الشنعاء باقل ثمن، ولكي يحاولوا احياء ارث عتيق من النحيب على الاطلال وعلى ضياع الاندلس، ثم ليجعلوا منه ذكرى آسفة، او عنواناً لاعادة عقارب التاريخ الى الوراء.
«الكتاب» يكشف ان صدام حسين لم يكن ليتصرف، ولا لمرة واحدة، انه سيترجل عن السلطة، بل انه لم يكن يعتقد ان قوة على الارض بمقدورها القاءه خارج اللعبة، فقد دس اسمه، صريحاً او مؤشرًا له، في رقائق وزخارف واحجار دينية وآثارية ترفعه الى مصاف الانبياء، وتختزله الى اية سرمدية من آيات الكون، وثمة عند «جامع ام المعارك» الذي تركه «على العظم» منارات اشبه براجمات الصواريخ، على ارتفاع 43 متراً بعدد ايام القصف الجوي في حرب الكويت فيما عدد المنارات الداخلية الاربع تشير الى شهر ولادته (نيسان) وارتفاعها البالغ 37 متراً يؤرخ العام الذي ولد فيه، فيما الفسقيات البالغ عددها 28 فسقية فهي يوم ميلاده، وهكذا اختصر هذا البناء الذي شاء له ان يكون اكبر جامع في العالم الى مفردة تشكيلية تتحدى القدر، وتنتصر عليه، وعندما كان يزور العتبات المقدسة كان يحرص على سماع رواية انه من سلالة النبي، وفي التاريخ كان الاسكندر الكبير قد فرض على الكهنة الاعلان عن كونه ابناً للالهة زيوس.
من زاوية معينة بدا لبعض الفئات الجديدة التي تصدرت المسرح السياسي بعد التغيير ان مشكلتها مع النظام السابق ليست سلوكية في جوهرها، بل هي من النوع الذي يتصل بالصراع على السلطة: من هو احق بها من غيره.. وفي هذه النقطة سقطت الستارة بين نمطين من الحكم: نمط قديم، متوحش، لم نتأسف على سقوطه، ونمط جديد يقتفي اثر سابقه في الكثير من الاخلاقيات.
**********
«وإذا أصيب القوم في أخلاقهم … فأقمْ عليهم مأتماً وعويلا»
احمد شوقي

عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة