الأخبار العاجلة

الرقيب الثقافي.. ضرورة أم قمع؟

سلام مكي

لم تكن الحرية مرادفة للفوضى يوما، كما لم يكن الرقيب مرادفا للقمع والتقييد. فالحرية في جوهرها، لا تتكامل ولا تتسامى إلا بوجود ضوابط ومحددات للعمل في مجال ما. الثقافة مثلها مثل سائر المجالات الأخر، تعرضت نتيجة للحرية المفرطة وغياب الأطر القانونية والثقافية التي تحكم صورها المختلفة إلى تشويه وتغييب للنتاج الثقافي الرصين، مقابل صعود أسماء ومنجزات بعيدة كل البعد عن الثقافة الحقيقية، وتفتقر إلى أبسط مقومات العمل الأدبي الرصين. الفوضى الثقافية التي هي جزء لا يتجزأ من فوضى السياسة والمجتمع على حد سواء، ذلك أن الثقافة لا يمكن أن تنفصل عن المجتمع بوصفها جزءا منه. تلك الفوضى، سببها غياب القانون، والتنظيم والتخطيط السليم. فالثقافة، رغم أنها مصطلح فضفاض، يحتمل الكثير من المعاني والتعريفات التي لا حصر لها، تتكون من مجموعة من العناصر والمكونات. ولعل المثقف أهم تلك المكونات، إضافة الى ما يرتبط بعمل المثقف، الكتابة والتأليف، والمنظمات الثقافية والمؤسسات التي تعنى بتنظيم العمل الثقافي، سواء تلك التابعة للحكومة كوزارة الثقافة، أو النقابات والاتحادات المستقلة، كاتحاد الأدباء. الرقيب الثقافي، غالبا ما يوضع على النتاج الثقافي للأدباء، ولمختلف النتاجات الأدبية، سواء الشعر والقصة والرواية والمسرحية والنقد.. وهو سياق كان متبعا في زمن النظام السابق، وهو أمر كان يسيرا في ظل المركزية الشديدة التي كانت تحكم العمل الثقافي والسياسي بصورة عامة، وقلة دور النشر آنذاك. ولكن، بعد أن كثرت دور النشر، وعدم وجود ضوابط ومحددات لابد منها كي تتم منح إجازة أو ترخيص لفتح دار نشر وتوزيع النتاجات الأدبية والثقافية، وغياب أي دور حقيقي لوزارة الثقافة، ولوجود هاجس الربح المادي والانتشار السريع لدى الكثير من أصحاب تلك الدور على حساب جودة ورصانة النتاج الثقافي، ظهرت وللأسف، الكثير من الكتابات غير الرصينة والتي لا تمتلك أبسط مقومات الابداع، وأصبح بإمكان أي شخص أن يطبع كتابا مادام يملك مالا، ويكتب على غلافه ما يشاء.. شعر، قصة .. رواية، هو من يحدد جنس العمل وليس الآخرون المختصون. ودور النشر تطبع أي كلام مادام صاحبه يدفع المال! وهكذا، ظهرت نماذج لا حد لها من كتب ومؤلفات غير حقيقية، ولا قيمة أدبية أو ثقافية لها. فلو كانت هنالك رقابة ثقافية، تكون مسؤولة عن جودة ما ينشر ويطبع، وليست رقابة على مضمون المؤلف، حتى لا يفقد الكاتب الهاجس الأقوى للكتابة وهي الحرية. وعدم الخوف من الخوض في أي شأن عام أو خاص. الرقابة تكون على دور النشر، كي لا تطبع ما يحلو لها من كتب أساءت للذوق العام، وللثقافة بصورة عامة. فأحد دور النشر، طبعت لمراهق، كتابا يتضمن شتائم وبذاءات وكلاما مقززا، لا يمكن لأي إنسان سوي التفوه به. مثل تلك الدار وغيرها الكثير لازالت لليوم تطبع وتوزع مادام الزبون يدفع! أما رفض المخطوطات فكان من الماضي، عدا بعض دور النشر التي يملكها مثقفون، كدار شهريار مثلا، فإن تلك الدار لا تطبع لأي أحد، مادام المنجز ليس رصينا. نحتاج إلى مراجعة ثقافية وإدارية شاملة للعمل الثقافي وخصوصا ذلك الذي يتعلق بطباعة الكتب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة