تناسل اولاد الكلب في.. مصل الجمال

يوسف عبود جويعد

يقدم لنا الروائي عبد الزهرة علي ومن خلال روايته ( مصل الجمال – اولاد كلب) ثيمة جديدة إقتنصها من صميم حياتنا، وهي مستوحاة كحصيلة نهائية لما حدث ويحدث في هذا البلد من إنقلاب غريب وملفت في البنية التحتية وتدهور وهدم مرتكزاتها الاساسية التي نعيشها بنظامها السليم الصحيح، ومحاولة لتغيير مجريات الحياة نحو الاسوء في ظل التغيير الذي طرأ، والذي استغل بشكل مغاير لما نصبو اليه وماكنا نتمناه، حيث إستطاع ومن خلال السياق الفني لفن صناعة الرواية، أن يستحضر نمطين من أنماط الكتابة، وتركيبها بشكل متناوب لتكوين رؤيته الفنية، وهما الفنتازيا والواقعية النقدية، بعد أن وجدهما منسجمان والثيمة التي إختارها، ومن خلال تحليلها وأقصد هنا الثيمة، نجد أن الروائي إنشغل كثيراً في التحليلات الفكرية والذهنية من أجل أن يصل الى الاسباب التي حدت بالانسان في هذا البلد الى التماهي مع هذا الوضع المزري، ليصل الى حد ان يواكب موجة الخراب ويشارك في تخريب معالم الجمال والحب والخير في هذا البلد، لأنه ومن خلال مسيرة المبنى السردي لهذا النص، نكتشف بأنه أي الروائي وضع نصب عينيه الإنسان الذي يحمل الصفات الانسانية النبيلة والاخلاق السليمة، والحس الوطني والتربية التي تستمد نموها من أصولنا وتاريخنا وحضارتنا، لا يمكن له أن يكون اداة تخريب وعنصر من عناصر الشر ليساهم ويشترك في هذه العملية المروعة مالم يكن هنالك مسببات تجعله يتنقل من هذا الطريق القويم، الى طريق السوء والشر، مما يؤثر ذلك في بناءه الانساني وما يحمل من جينات ترجع اصولها الى منابع الإنسانية الحقة، وهذه الاسباب هي التي سوف نكتشفها ونحن نرحل مع مجريات المسيرة السردية لهذا النص، والإكتشاف الذي يدعو للتأمل والدهشة والانبهار الذي وصل اليه وبشكل فيه الكثيرمن الاقناع وإستثارة معالم الوعي لدى المتلقي وهو يسبر أعوار معالم هذا المبنى السردي، وهي تدخل في الحالة التوعوية التي حمل مسؤوليتها المثقف ومنهم الاديب المبدع، من أجل محاولة تخليص أبناء هذا البلد من براثن الجهل والضلالة وإنتزاعه منها عنوة لكي يساهم في عملية التغيير التي يقودها المثقف في كل مفاصل الحياة، حيث نجد أن هذا النص يضعنا في الصورة لمراد متابعتها من إجل إجتثاث الشوائب التي علقت وتشبثت في تفاصيل حياتنا،والتي علينا التخلص منها من اجل أدامة المسيرة للوصول الى ما نبتغيه، ولكي ندرك مضمون هذا النص السردي علينا ان نلج من خلال التنويه الذي جعله نصاً موازياً للدخول:
تنويه
هدف روايتي على قول ميلان كونديرا
« لا يتمثل في إرباكنا بفكرة مدهشة، بل في جعل لحظة من لحظات الوجود صعبة النسيان وتستحق الحنين الذي لا يطاق .»
بعدها يبرز أمامنا بطل هذا، ومدير دفة الاحداث فيه، والذي يمثل حالة الوعي، إذ إننا سوف نكتشف أن هناك مسيرتين متوازيتين يشكلان ملامح المبنى السردي، وهما حركة نمو الاحداث، وحركة نمو الثيمة التي التصقت بالاحداث، ولنكون مع معالم المكان فيه، وهو حي المعالف والذي ينقسم سكانه الى قسمين، القسم الاول يسكن بسندات رسمية مسجلة في دائرة العقاري ( سند طابو)، والقسم الآخر المنطقة العشوائية والتي ظهرت بعد التغيير بشكل ملفت للنظر، وتسمى هذه الاراضي ( الحواسم):
( بعضهم يمتلكون دوراً سكنية في مدينتنا قبل التغيير. لكنهم تعودوا على مساكنهم القديمة.. وأخذوا يستغلون مساحات من أرض خلاء يبيعونها على شكل بيت بسيط في هذه العشوائيات.. هكذا هم ينتمون الى الفقراء في المظهر فقط، لكنهم في الحقيقة يكنزون أموالاً كثيرة .. لكن الاخرين المحتاجين فعلاً ترى أجسادهم ناحلة وأمراضهم كثيرة. وعظام وحوههم ناتئة خلف بشرة داكنة كانوا مثل قططهم وذبابهم، ) ص 24
وهكذا فأن بطل هذا النص يسحبنا بشكل هادئ نحو هذا الاكتشاف الخطير، فهو لايقوم بسرد الاحداث وحدها دون ان تكون الثيمة علاملاً مشترك معها، إضافة لما تحويه هذه الرواية من عناصر التجديد وعناصر التشويق والمفاجأة، ونمر في رحلة مع الحيوانات السائبة، واهمهم الكلاب والذي سوف نكتشف لاحقاً دورهم الكبير في هذا النص:
( « أصبحت شوارع المدينة تكتظ بالكلاب الغريبة، التي انطلقت ىبعد الخراب الذي طمس معالم الجمال فيها ) ص 30
ومنذ بدء مسيرتنا مع هذا النص نحس بهذا الاهتمام والاشارة الى الكلاب، والذي سوف نكتشف فيما بعد بأنها عنصر من عناصر الجذب، والتوغل في معالم الاحداث وابراز الثيمة،ولم يتركنا في حالة بحث طويل عن الحالة لمكتشفة والجديدة والتي هي البؤرة الرئيسية لمسار المبنى السردي، حيث نكتشف أن هناك نوعين من البشر احدهم هو البشر الطبيعي الذي يحمل الجينات الانسانية وهو رحيم ورؤوف وحنين مع ابناء جلدته، وآخر يحمل جينات حيوانية، وهي جينات الكلاب وتكون تصرفاته رعناء حيوانية شرسة، وه طماع نهم يلهث كالكلب وراء مصالحه الشخصية، وهذا الاكتشاف لم يكن بدون دليل وبراهين تؤكد صحة ما ذهب اليه، كوننا سنعرف ومن خلال حكاية من حكايات الجد والتي كان يضمها صندوقه الذي اهدته امه اليه ليطلع على محتوياته، أن هنالك عادات وتقاليد اذا مات الاب، فأن أمر زوجته يوكل لاحد ابناءه، واذا كان لم يكن لديه اولاد، فأن امر المرأة يوكل للكلب، وتلك هي الطامة الكبرى:
( كانت النسوة لا يرتدن سراويل داخلية، هبت ريح رفعت رداءها الواسع الى سرتها، فبانت سوءتها. كان الكلب باسطاً يديه يراقب، وعندما وقعت عيناه على مهبل المرأة، رفع رأسه، وضرب بذيله الارض، يدنو منها، بعدها تحسست المرأة رطوبة بين فخذيها، رأت بعينين ناعستين، الكلب يلهث في مقدمة الخيمة وهو يمط جسمه، بعد أربعة شهور ولدت المرأة ذكراً، عاش الطفل بين المرأة الارملة والكلب، حتى اصبح شاباً، جميل الوجه، قوي البنية، وهو لا يعلم أن جيناته مختلطة مع جينات كلب. عندما ضاجع نسوة اخريات، زرع فيهن جيناته المختلطة، فتكاثر صنف ذلك الشاب) ص 37
وهكذا تظهر لنا بؤرة الاحداث، التي تتصل بالثيمة ايضاً، لتتسع دائرة الصراع في متن النص، بين هاتين الفئتين، فئة الجينات الانسانية، وفئة الجينات الحيوانية، فثانية متمثلة بشخصية (جلاب) هذه الذي يحمل جينات الكلاب والذي هو من نسل ذلك الشاب ابن كلب، بينما تتمثل الجينات الانسانية بشخصيات الرواية،الراوي، المهبول، ثائر، حسنة، وكل من ينتمي لتربة هذه الارض ويحبها ويخلص لها، بينما كل من اراد الخراب وعاث بهذه الارض فساداً فهو ابن كلب.. ويدور صراع كبير وواسع يدور ضمن هذا المحور، ويتكاثر نسل اولاد الكلب، فأولاد الكلب لايمثلون من يقطن داخل المدينة، بل هؤلاء الذي جاءوا مظللين بالسواد وملثمين ويحملون رايات سود، يريدون إيذاء اهل هذه البلدة هم اولاد كلب.
(إستدار الجراد نحوها وحطم الكثير من شواخصها. كان همه الأول اطفاء النور ومضاجعة النسوة.يرتدون ملابس لا تشبه الزي الذي نعرفه. استولوا على المدن والقرى الواقعة غرب مدينتنا، الذين اجبروا سكانها بقص الدشاديش الى منتصف الساق، وأخذ اللون الاسود ينتشر مع كل خطوة يخطونها في ازقة تلك المدن وشوارعها العريضة، وهم يرفعون اسم الله على رايات سود ويكبرون)ص 164
ومن مرورنا بالاحداث وتكاثر نسل اولاد الكلب، يجد الروائي ومن ضمن مسيرة الاحداث أن يجد مصلاً للجمال يقتل هذا القبح والخراب، وهذا المصل هو خليط من الوعي والثقافة والتعاون وشحذ الهمم للخروج من هذا النفق المظلم، ولا يكون هذا المصل الا للجمال والوعي والتعاون.
( في الجانب الآخر ارى تفسخ الاجساد الممسوخة وهي تتحول الى جثث هامدة. يتم التخلص منها برميها في مكب النفايات ورفع الاجزاء المتبقية مع باقي الزبالات… وكلما نظفت المدينة من اوساخها عم اريج الجمال في الارجاء) ص 186
وهكذا يتضح لنا ومن خلال رواية (مصل الجمال- اولاد الكلب) للروائي عبد الزهرة علي، أن علاج اولاد الكلب الذين تناسلوا في هذا البلد وعاثوا في لارض فساداً، علاجهم مصل الجمال الذي هو خليط من الوعي والثقافة والادب والتعاون لدحرهم ومحو اثرهم،
من اصدارات دار لارسا للطباعة والنشر والتوزيع – بغداد – شارع المتنبي 2018

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة