الأخبار العاجلة

اللوحة الاستشراقية في.. «شارع أسود»

يوسف عبود جويعد

غلب الجانب الفني بجعل الرواية دائرية، تبدأ من حيث انتهت، وتنتهي من حيث بدأت، أعمال كثيرة في الرواية الحديثة، وهي زاوية نظر يجدها الروائي، أقرب إليه في السيطرة على مسارالسرد، وطرح رؤيته الفنية التي إتخذها بشكل واضح،إذ يجد أن الرجوع الى الاحداث ونقلها منذ بدايتها عملية قد تفقده الكثير من الجوانب الفنية التي يريدها، في عملية فن صناعة الرواية، كما أنها يمكن لها أن تختزن الكثير من حالة التفاعل وشحنة التأثير التي تدور في رحى النص السردي، وهكذا نجد أن رواية (شارع أسود) للروائي علاء مشذوب، نحت هذا المنحى وأتخذته سياقاً فنياً في عملية تناول الاحداث، كما نجد في هذا النص الذي إتخذ من الزمان والمكان والشخوص توليفة موفقة لصياغة الأحداث وإظهار ثيمتها بشكل ملفت للإنتباه، كوننا سوف نكتشف أهمية (شارع اسود) في الكرادة داخل، الذي إنتعش فيه الفن التشكيلي ، كون هذا الشارع كان يضم العديد من (الغاليرهات) التي تعرض هذا الفن ويتوافد على هذا الشارع وفود من كل صوب وحدب لتقتني ما صنعته موهبة الفنانين العراقيين من لوحات عالمية لا تقل جودة عن رسومات كبار الرسامين في العالم الاصلية، وقد اشتهر هذا الشارع وذاع صيته حتى دونته الموسوعات العالمية الكبيرة ومنها ويكبييديا التي وصفته: (افتتح أول مرسم في شارع الرسامين -الذي كان يسمى شارع أسود نسبة إلى أقدم عائلة سكنت فيه في عشرينيات القرن الماضي- من قبل سيد صاحب، ثم تلاه أبو علي النجار، في أواسط سبعينيات القرن الماضي، ثم ما لبث أن أصبح الشارع كله يعج بقاعات الرسم، ليتحول اسمه إلى شارع الرسامين. وليكون شاهدا على حقبة جميلة من الفن التشكيلي العراقي.)
كما أن الروائي علاء مشذوب سعى في هذا النص على أن يكون مغايراً وجديداً ويدخل في دور الحداثة والتطور الذي حصل في هذا الجنس الادبي المهم، حيث أنه إستطاع أن يجعل هذا النص لوحات تشكيلية واضحة المعالم من خلال الوقوف في العملية الوصفية التي ضُمت قي متنه، حيث يتوقف في المكان ليصف لنا معالمه بشكل يميل الى حد بعيد الى رسام يقوم برسم لوحة تشكيلية:
( نزلت قرب جامع ابن بنية بمئذنته المثمنة الشامخة والمغطاة بالكاشي الكربلائي الأزرق وقبته البيضوية، ومقابله المحطة العالمية للسكك الحديدية، ببرجيها الشامخين، هذا المنظر الهائل والعتيق بتاريخه، وزحام السيارات بمختلف احجامها والباصات التي تنفث دخانها الأسود والناس تتراكض بين صاعدة ونازلة دون ان تراعي للشارع أي خطورة رغم سير السيارات الوئيدة، وجابي الأجرة عند باب الدخول والخروج يصيح باب الشرجي، وآخر يصيح باب المعظم، والباصات الحكومية الحمراء المائلة قليلاً للجانب الايمن) ص 26
كما نغور في إستكشافات عميقة ومهمة في سبر أغوار هذا الفن ومعالمه وأدواته ولوحاته واللوحات العالمية المهمة، ثم نكتشف ماهو جديد في هذا وهو فن رسم اللوحة الانطباعية الإستشراقية وأهميتها ومدى قبولها وكثرة طلبها، وهو فن صعب ومهم حيث أنه إنتعش في هذا الشارع وكثر القبول عليه لما تحوي هذه اللوحة من جوانب فنية تضيء للمتلقي حياة الشرق، والتي نقلت من قبل فنانين مستشرقين زاروا الشرق ورسموا لوحاتهم وفق طبيعة وحياة وسلوك وعادات عالم الشرق.
من هنا نبدأ رحلتنا مع هذا النص الذي أتخذ اللوحة الانطباعية سياق فني لادارة دفة الاحداث، وتجدر الإشارة هنا ولتقريب رؤيته الفنية فأنه عمد الى جعل فصول هذا النص لوحات، من أجل أن يزج المتلقي في مبنى السرد وكأنه داخل لوحة انطباعية، لنكون مع زاهد في عنفوان شبابه والذي جاء من محافظة كربلاء لاكمال دراسته في كلية الفنون الجميلة، ويسكن في فندق مع أصدقاء له احمد وممدوح، لنعيش معه في الحقبة الصعبة في حياة هذا البلد، الحصار الاقتصادي وما نشأ عنه من تردي اقتصادي وجوع وعوز وفقر:
( كان سوق الكرادة بعيداً عن الحصار، او هكذا تراءى لي، فالناس في حركة دؤوبة والبيع والشراء على قدم وساق) ص 34
ثم نعيش تجربة زاهد الاولى في عالم فن الرسم، ومحاولاته للوصول الى لوحات يرسمها وتنال قبول اصحاب (الغاليرهات) وقد حاول رسم لوحة أخذت من وقته شهر كامل، الا أنه دار بها في الشوارع من اجل بيعها، ولم يجد من يشتريها فاهداها لصاحبه، ثم حاول مرات حتى وصل الى ما يريده، وكان همه الكبير أن يوفر له لقمة عيش ومصاريف تجعله يواصل دراسته في الكلية:
(التقيت بممدوح الذي أزاح الغطاء الذي كنت الفّها به، انبهر بالمطابقة التي ظهرت مابين النص الاصلي ولوحتي، نظر اليّ ومن ثم نظر للوحة، ودون أن يتم دوام الكلية، أخذ اللوحة مني واستقل سيارة اجرة منطلقاً الى الكرادة) ص 35
وهكذا يحصل زاهد على اول مبلغ مالي لقاء رسمه اللوحات، ويتعلم فنون الرسم وطرق النجاح فيها.. ثم نتوغل في هذا العالم اكثر عمقاً في عملية استكشافية لأسرار هذا الفن الجميل والادوات المستخدمة، وطرق بيع وشراء اللوحات، وبالاخص منها اللوحات التشكيلية الإستشراقية التي تعكس واقع حياة الشرق وقد تفرد فيها زاهد، وصار يبحث عن الكتب والمجلات التي تحتوي على لوحات لفن الاستشراق، وصارت لوحاته مطلوبة وتصل الى حد حجزها قبل إتمامها، وكان همه الكبير أن لايجعل أسرته تشعر بجوع، أو حاجة أو عوز، كما أنه لم يغفل حياة البلد في تلك الحقبة، وكيف كان يعيش الناس فيها، فهناك خطان يسيران متوازيين احدهما ظاهر وهو رحلة زاهد مع هذا الفن الجميل، والخط الآخر هو الحياة في هذا البلد وما يحدث فيها، كما سوف يمر المتلقي على أسرار غاية في الاهمية وتعتبر من المسكوت عنها والتي تتطلب حذر شديد كونها محفوفة بالمخاطر،أترك متعة متابعتها للمتلقي، ثم تمر أزمة على البلد يصيب هذا الفن الكساد:
(خرجت خائباً من عزلتي، وعدت الى شارع (ابو اقلام) لا ألوي على شيء، ونتيجة للمد والجزر السياسي، أصاب سوق اللوحات الكساد، وبدأ أصحاب المكاتب يؤجلون طلبات رسم اللوحات بعد أزمة سياسية خانقة بين العراق ولجان الامم المتحدة للتفتيش، ولكن مثل حالي، لا تنفع معه الأعذار سألت بعض اصدقائي عن الشخصيات التي تشتري اللوحات الاستشراقية خارج السوق، فدلّني أحدهم على بائع حلويات يسمى (ابو عفيف) وتبين أنه أشهر من نارعلى علم) ص 95
ثم ننتقل الى فصل مكتب قيس السندي، وهنا ندخل في أعماق هذا الفن وتفاصيل كبيرة عنه، كما سوف نمر بعلاقة جنسية تنشأ بينه وبين سيدة من الطبقة الراقية وبعض من الاسرار.
وهكذا تدورالأحداث لنصل فصل نهاية الرواية الذي نكتشف فيه إستشهاد احمد وممدوح في اول إنفجار حصل في الكرادة قرب الاورزدي
( كان شارعُ أسود أسودَ، بعد أن ترهلت وتاهت خطوطه وبهتت ألوانه وعتمت لوحاته وتشظى فنانوه على خريطة العالم )
(شعرت أنني أسدل الستار على تاريخ من الجمال والألم، وعدنا أدراجنا من حيث أتينا، يخترقني شعور كبير بالأسى وأنا اكتب الكلمة الأخيرة (انتهت) على خاتمة الرواية. وكأني أضع شاخصاً على قبر) ص 205
رواية (شارع أسود) للروائي علاء مشذوب، رحلة في عالم الفن التشكيلي بكامل تفاصيلها، ومعاناة الفنانين في هذا البلد، وصعوبة حياتهم وهم يحاولون رسم ملامح لفن تشكيلي عراقي خالص، كما أنها تضع أمامنا معلومات كبيرة ومهمة عن هذا الفن، أستطاع الروائي فيها تقديم نمط جديد من أنماط السرد حيث جعل النص السردي مجموعة من اللوحات التشكيلية، وقد إشترك في ذلك السياق الفني لمسيرة السرد، والاحداث التي تتناول ذات المضمون، كما أنها محاولة الى لفت الانتباه الى شارع مهم خبتت اضواءه، من أجل اعادة نشاطه والاهتمام به، لأنه معلم حضاري مهم من معالمنا.

من اصدارات دار سطور للنشر والتوزيع – بغداد – شارع المتنبي 2019

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة