دع الجاذبية تشدني للأسفل

رغدة مصطفى

(1)
ذاكرتى مشوشة كثيرا
كلما أردت الحديث عن الفيلم الذي أعجبنى
استرسلت في وصف شال برتقالي معلق بغصن شجرة
طيره الريح على وجهي
رأيته اليوم على كتف شابِ فابتسمت
وسألته عن اسم الفيلم.
(2)
شكي تعاظم يا الله صار مخيفًا،
أوقن بوجودك لكنّي لم أعد أوقن بوجودي،
لا تكفي نظرات العابرين وهمسهم لي
لأصدق أنّي مررت من ذاك الشارع.
لم يعد كافيا أن استمع للأغاني ليل نهار،
الدموع التي تنساب بلا سبب،
الدماء التي تنز من الجروح،
ظلي الذي أراه ليس كافيا لأصدق.
لا أشعر بجاذبية الأرض،
قدماي مرفوعتان ولا تمسّانها،
مهما اشتهيت أن أهبط،
ولا جناحان معي للتحليق.
تعرف تلك اللحظات القليلة
التي تقفز فيها سمكة للّهو في الهواء
ثم تعاود الغوص في بحرها،
اللحظات التي تمس قدم عصفور غصن شجرة
قبل أن يعاود الطيران،
هذا ما أنا عليه، غير أن تلك اللحظات هي الأبد
وهذا مرهق،
دع الجاذبية تشدني للأسفل
حتى وإن غاصت بي تحت التراب
فأنا نبتته يا الله.
(3)
أسكن أطراف مدن صغيرة
حيث التورط في البدايات متاح على الدوام
والسبيل للهرب أيضا.
لديّ متجر متنقل لبيع الأغنيات
رواده من كل صنف.
عمال مناجم في الجبال
أقدم لهم أغنيات
تُعزف على ضرب المعاول
يسهل معها تفتيت الصخر.
تباعو ميكروباصات
قدم على أرضيته وقدم في الهواء
والأغنيات تتأرجح مع نداءات المناطق
تتمازج بسبابهم الفج واطلاق صافرات التحرش.
فلاحون ينثرونها مع البذور

لتطرح فاكهة أطيب وأشهى.
صيادون يلقمونها طُعم.
أغنيات صالحة
لليالي الأنس وجلسات الذكر
خلفية حرب وليالي عشق
تضبط إتجاه الرصاص وسخونة القُبلات.
أغنيات لفتيات مدارس تتفتح أنوثتهن
وهن يتشممن الحب.
وللعاشقات ذوات الجمال المعتق.
لم امتنع يومًا عن تقديمها ولو لقاتل محترف
الأغنيات هواء وماء لن يفلح معها المنع.
وحدي أنتظر لحن الغريب
يدندن أغنيته لأول مرة.. أعرفها على الفور
كأنها الأغنية التي ولدتُ بها
لها رائحة البكارة، طعم اليقين.
أعرفها دون إشارة وأتبعها لموطني.
(4)
لا أعرف ما قادني إليها تحديدًا
كنتُ ألعب بقذف الحصى بعيدًا
وأتبعه
حتى اصطدم بساق شجرة
رفعت بصري على أراضِ خضراء ممتدة
تجولت
وهناك على ضفة قناة مائية
وجدتها
لا يعلم منبتها أحد
زهرة وحيدة تتمايل بخفة
نظرت لجمالها طويلا طويلًا
وبكيت.
(5)
وصلت لتلك الجزيرة المعزولة بذاكرة غائمة.
لا أذكر موطني أو أخوتي،
فقط خطوات قدم لقطة صغيرة
قادتني لبهجة الكشف عن سلالم سُفلية زرقاء،
تصلك بباب خشبي جميل وبسيط لم أطرقه يوما.
أبحث بين شجر الجزيرة عن ثمرة خوخ طازجة،
تشبه تلك التي قذفني بها شاب من فلاحي المنصورة،
تحية من راكب قطار عابر لآخر،
خجلت من قضمها أمامه،
التهمتها لاحقا بشهية عظيمة،
كان مذاقها لذيذا كلكنة حديثه.
أحن للعجوز التي شهقت «يا بتي» حين سقطت أرضًا لجوارها
تمسح بيدها رأسي وبطرف ملاءتها تمسح ثوبي المتسخ
وتسب الطريق.
أدندن أغنية سائق أسكرته المحبة
«ياما عيون شاغلوني لكن ولا شغلوني .. إلا عيونك أنت»
تعالت آهاته وبكى.
ها أنا عدت غريبة، خفيفة، لا أنتمي سوى للعابرين
صالحة للولادة من جديد، فهب لي اسما.
(6)
لا أعرف من اللغات سوى لغتي الأم
كلما يصلني من هناك بفعل الريح الهمس المتطاير
هناك كان عصفور
تناثرريشًا في الهواء
وصلني ـ هنا ـ لمسة ناعمة على الخد،
هناك كان خنجر
مرّ كجرح
نز قطرة دم على يدي.
.
(7)
روحي النهمة
رددت الأغاني مرارا ولم تتحول يوما لنغمِ يُطرب
شربت أعواما ولم تجر نهرًا يروي العطاشى
التهمت فاكهة شتى ولم تنبت شجرة يقطنها الطير
سكبت قوارير عطر ولم تُزهر فُلّا ولا وردًا
شكلت من الطمي أواني ولم تصبح إلهًا.
يا غجربة أيتها المباركة من الريح والنار
امنحينى حيوات شتى ولتكن قصيرة
أجدد الجمال ـ قبل أن تستذله الحياة ـ بالموت.
من ثمرة ثقلت عصارتها فسقطت
لورقة طيرها الريح وعلا حفيفها تحت الاقدام،
لعصفور صاده عابث، لوردة قُطفت،
انهكني التبدل امنحيني السر.
امنحينى سر الجمال فلا يزول
احيلينى مادته الخام
اجعلينى من نور، هواء وماء.
لأقفز من الجبل ولا أسقط،
أتناثر ذرات هواء.
أغوص في البحر لأعماقه ولا أغرق
اقترب من الشمس ولا أحترق
انسل منها شعاع نور.
(8)
أحبها ربطة عنقك مشدودة كعقدة لا تنفك،
عنقك خاليًّا من أي أثر،
لمعة حذائك كأنه خارج لتوه من صندوقه،
صوتك هادئا من أي شعور.
لذيذ تذكر كل هذا بعد مروري بك.
بينما نبحث معا عن زر قميصك،
نبلل عنقك ونمسح حذائك الملقى.
بينما لا تفلح حمحماتك
باستعادة صوتك متزنًا من جديد.
لندع الحياة عالقة بحباله بعض الوقت.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة