الأخبار العاجلة

النازحون.. عين على الديار واخرى على الحياة الجديدة

سلام مكي*

مشهد النزوح الجماعي لمئات العائلات، لم يكن جديداً على الانظمة التي تلت سقوط الملكية، فالتهجير القسري لدواع طائفية او عرقية او قومية كان احدى ادوات النظام السابق في معاقبة خصومه، وعندما اقول خصومه، فأعني اما طائفة بأكملها او قومية وليس افراداً. بعد سقوط النظام، تعدد الجهات التي تمارس التهجير، وكان الدافع الطائفي هو الابرز، خصوصاً في المناطق المختلطة، وقد بلغ التهجير ذروته في المدة التي شهدت اعمالا طائفية انتقامية بين ميليشيات تابعة لجهات متعددة، تمارس القتل اليومي في مناطق متعددة من العاصمة والتهجير في المناطق الخاضعة لنفوذها، واغلب تلك الاعمال، كانت تمارس كرد فعل على تهجير عائلات تابعة لطائفتهم من مناطقهم، فيبادروا هم الى تهجير العائلات المختلفة معهم نصرة للطائفة! على الرغم من ان القرآن الذي يدعون انه كتابهم يدعو الى عدم اخذ البريء بجريرة المذنب( ولا تزر وازرة وزر اخرى). بعد التحسن النسبي في الجانب الامني، عادت الكثير من العائلات الى مناطقها، واخذوا يمارسون حياتهم الطبيعية، واختفى القتل والاختطاف على الهوية، فلم يعد في الاقل ظاهرة عامة في بغداد وبقية المحافظات الساخنة، وقلت نسبة العراقيين المهجرين في الخارج وخصوصا دول الجوار، وكادت الحكومة في اكثر من مرة اغلاق ملف المهجرين نهائياً، بعد ان تولت الوزارة المعنية بشؤونهم تنظيم عملية تعويضهم واعادة جزء من حقوقهم المسلوبة منهم. ولكن بعد الكارثة الامنية في الموصل والمتمثلة بسقوطها بيد الارهاب الاعمى وداعش، كان النزوح لعدد كبير من العائلات هو اول صورة من صور ذلك الاحتلال، حيث خرج الاف الاشخاص من منازلهم بعد اعلان مدينتهم منطقة تابعة لداعش، وذلك خوفاً على حياتهم. في البداية كان النازحون من شتى المكونات والقوميات التي تسكن الموصل، ولكن داعش، استعملت اسلوباً مقيتاً، يمهد لحدوث شرخ في النسيج الوطني، حيث طمأنت مكوناً يمثل الغالبية من سكان الموصل بأنهم غير مستهدفين وادعت انها لم تأت اصلا الا لحمايتهم ونصرتهم والحرب بالنيابة عنهم ضد بقية الطوائف. ولهذا، بدأ فصل جديد من فصول التهجير القسري على الهوية والانتماء الطائفي، فأجبرت داعش السكان من غير دينها وقوميتها على مغادرة الموصل بالثياب فقط من دون السماح لهم بحمل امتعة او نقود، فتركوا املاكهم واموالهم نهباً لداعش التي عدتها غنائم حرب يحل لهم الاستيلاء عليها. كان نصيب الاقضية المختلطة التابعة لنينوى اكثر بشاعة وبطشاً في التهجير من مركز المحافظة، خصوصاً قضاء تلعفر ذو الغالبية التركمانية، فبرغم التركيز الكبير على هذا القضاء من قبل الحكومة الاتحادية، وتسليط الضوء عليه اعلامياً وعسكرياً ورفد الجبهة هناك بأكفأ الضباط والجنود والمعدات والاسلحة والتعويل عليها كبداية لإيجاد موطئ قدم للجيش هناك، الا ان المئات من العائلات التركمانية الشيعية هجرت من مساكنها، الى محافظات الفرات الاوسط والجنوب. وهؤلاء للأسف، لم تعطهم داعش أية خيارات غير التهجير، عدا القتل، مثلما فعلت مع المسيحيين بعد ذلك. لم يتصور نازحو تلعفر ان تكون حياتهم الجديدة بهذه القسوة، فهم استيقظوا فجأة ليكون همهم الوحيد البقاء على قيد الحياة، بعد ان كان الكثير منهم يحلم بأشياء ابعد من الحلم بمجرد الوصول الى مدينة لا توجد فيها داعش، ثم تطور الحلم الى الحصول على مكان للنوم. كثيرون توقفت احلامهم على مجرد البقاء على قيد الحياة، فلم يعد يهمهم كيف يأكلون ويشربون واين ينامون. فما خسروه لا يمكن تعويضه ابداً. وليس السنة الذين بقوا في مدنهم بأفضل حال من المهجرين، فهم ايضا مهجرون ولكن داخل مدنهم، فهم غير قادرين على الكلام، او بالأحرى، هم فقدوا حريتهم، ووجودهم وكيانهم، لدرجة ان اصبح الافغاني والشيشاني والعربي، هو المتحكم والمسير لشؤونهم. اليس هذا اشد اغتراباً وبؤسا من التهجير؟ وبعد ان استتب الوضع لداعش، انتقل وباء التهجير الى فئة اخرى غير الشيعة وهم المسيحيون، حيث اصدرت داعش تعليمات جديدة او وضعت ثلاثة خيارات لمسيحيي الموصل، فأما اعتناق الاسلام، واما دفع الجزية واما السيف! وامهلتهم بضع ساعات لاختيار واحد من تلك الخيارات، فما كان من المسيحيين إلا ان يتركوا منازلهم وممتلكاتهم كلها وينجوا بأنفسهم من سيف داعش، التي منعتهم من حمل أي مال او حلي، مثلما فعلت بالتركمان من قبلهم. وليتم ولأول مرة في تاريخ العراق اخلاء الموصل من المسيحيين الذين يعدون من سكانها الاصليين، والمتصدرون لكل المجالات المعرفية والعملية والادبية في الموصل، كذلك بقية المكونات الأخرى، لم يعد لها وجود في الموصل! الاقليم الذي هو الملاذ الاكثر امنا للنازحين والاقرب لهم، لم يستقبل الجميع، نظراً للعدد الكبير لهم، وخوفاً على سلامة مواطني الاقليم، الاجراءات الروتينية المعتمدة من قبله، تسبب في بقاء المئات من العائلات على حدوده في العراء لأيام عديدة، وفي ظل ظروف معيشية سيئة، حيث تنعدم ابسط ادوات العيش وضروريات الحياة. ومما زاد من محنتهم هو الموقف السلبي للجهات المختصة، حيث ان الحكومات المحلية في اغلب المناطق التي نزحوا اليها، لم تقم بمساعدتهم بما يكفي.
السلطة والحقوق الدستورية
الدستور العراقي ألزم السلطة التنفيذية بمسؤولية توفير الأمن للمدنيين، وتحسين مستواهم المعيشي وايجاد السكن اللائق لهم، فكانت نصوص الفصل الأول من الدستور قد تضمنت الكثير من الحقوق التي اوجب على الدولة حمايتها وتوفيرها للمواطن العراقي. فالمادة 15 مثلا نصت على ان لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقا للقانون. ما حصل هو ان الفرد العراقي في الموصل والمناطق التي احتلتها داعش، قد سلب حقه في الحياة والأمن والحرية من دون مسوغ قانوني، وهذا يعني ان الدولة لم تقم بواجباتها تجاه مواطنيها، فجعلتهم عرضة للتهجير والقتل والتشرد. ان النزوح الذي اعقب كارثة الموصل وحدها قد تجاوز جميع عمليات النزوح التي سبقته وعلى مدى السنوات العجاف السابقة، فهذه المرة تبدو اشد من سبقاتها، خصوصا وان الحكومة ومؤسساتها الكثيرة تقف اليوم عاجزة عن القيام بواجبها تجاههم. فبعد ان عجزت الحكومة عن حماية مواطنيها والحفاظ على حقوقهم التي نص عليها الدستور، لا بد من الجهة الرقابية المكلفة بمسؤولية الرقابة على عمل السلطة التنفيذية، ان تبادر الى استدعاء اعضاء الحكومة جميعاً على اعتبار ان الدستور جعل مسؤولية اعضائها مسؤولية تضامنية، والاستماع اليهم بخصوص تقصيرهم عن اداء واجبهم الوظيفي. وان كان البرلمان قد انتهت ولايته فانه قد تم انتخاب برلمان جديد وله الولاية على حكومة تصريف الاعمال (المنتهية ولايتها) ومحاسبتها على سوء عملها. ولما يعرف عن البرلمان انه يعمل بمبدأ التوافق والمحاصصة التي تقيد حركته وتقنن عمله، على وفق سياقات بعيدة كل البعد عن الديمقراطية، حيث لا يمكنه محاسبة وزير او أي مسؤول حكومي كون ان حزبه او كتلته ستدافع عنه، وستعرقل اي محاولة لاستجوابه، او محاسبته، ولو حدث ان قام بذلك لا تهموه بالاستهداف السياسي او الطائفي، حيث يتم ربط مصير مكون بأكمله مع مصير شخص قد يكون فاسدا حقا، ولو لم يكن كذلك، فهناك اجراءات قانونية تتبع لدرء ظلمه. فان على جهاز الادعاء العام، التابع للسلطة القضائية ان يقوم بدوره الدستوري والقانوني المتمثل بحماية امن الدولة والنظام العام، والمكتسبات الديمقراطية ومراقبة تطبيق القوانين والكشف السريع عن الجرائم قبل وقوعها، وغيرها الكثير من الواجبات التي تضمنها القانون رقم 159 لسنة 79 المعدل. لكن للأسف حتى الجهاز العام، لم يحرك ساكناً منذ احتلال الموصل ولحد الان، ولم يسجل له اي موقف تجاه ذلك الحدث الذي يعد من اكبر التجاوزات التي حصلت على القانون والدستور وخرق كل القيم والاعراف، حتى تحول الى كابوس مزمن يجثم على صدر العراق ويهدد بشكل كبير وحدته ووجوده كدولة مستقلة. المنطق السليم يقول: ان على النازحين انتظار اجراءات الحكومة بصددهم، فهي حين وعدتهم بالحماية ولم تف، وجب عليها تعويضهم عما خسروه من ممتلكات، او في الاقل توفير الوسائل المطلوبة لعيشهم والتقليل من غربتهم في الحياة الجديدة، او في الاقل ان تتنازل عن الروتين القاتل في دوائرها لقاء تقديم الخدمات، خصوصاً وان الكثير من النازحين عجز عن جلب الاوراق الثبوتية الخاصة به، او فقدها نتيجة هربه من داعش، فكان عليها ان توفر له الخدمات والتسهيلات بعيداً عن الروتين، كقيامها بتسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين وتقديم المعونات النقدية والعينية لهم بسهولة. ولما لم يجدوا لدى الحكومة صدى لمعاناتهم، كان عليهم ان يلجأوا الى اساليب اخرى للضغط على الحكومة، كالتظاهرات والعصيان المدني ونقل معاناتهم الى الرأي العام بواسطة الاعلام، وحتى اللجوء الى القضاء لتحصيل حقوقهم من الحكومة، بدل الانتظار غير المجدي. ما حدث هو ان جهات غير الحكومة احتضنت النازحين ووفرت لهم قدراً لا بأس به من اسباب العيش، وهم الاهالي والجهات الدينية والجهات المسؤولة عن ادارة المزارات الدينية، التي فتحت تلك المزارات للنازحين، من دون أن تطلب منهم ابراز هوياتهم او الكشف عن انتماءاتهم المذهبية، وما زال الكثير من النازحين يسكنون في تلك المزارات التي تحاول جاهدة ولوحدها او بمساعدة الاهالي توفير الغذاء والملبس والمنام للعائلات المهجرة، برغم كثرتها بما يفوق قدرة وامكانية تلك المزارات. اما بالنسبة للجهات الرسمية، فهي مكتفية بالتفرج على معاناة النازحين، ما عدا الوعد بمنحة قدرها مليون دينار، قد لا تسد رمق تلك العائلات لأسبوع واحد وسط الظروف الصعبة، ورغم ذلك، ما زال الكثير من تلك العائلات يترقب موعد تسلمها، ولكن دون جدوى. ولما اتضح ان مسألة النازحين ليست مؤقتة كما تصوروا، فان عليهم ان يحاولوا التأقلم مع الوضع الجديد وان يتقبلوا الحياة الجديدة التي فرضتها الظروف عليهم، وبالفعل فان بعضاً منهم يحاول ان يجد عملا في وطنه الجديد، اما الموظفون فان اعينهم صوب فروع دوائرهم في المحافظات التي نزحوا اليها، وهذه كما قلنا مسؤولية الحكومات المحلية والمركزية، عليها ان تجد آلية عاجلة لمساعدة النازحين في الحصول على وظائف وفرص عمل تمكنهم من العيش بكرامة. لكن اعينهم ستبقى حتماً، ترنو الى حياتهم القديمة التي قضوا فيها عمراً بأكمله، وستبقى مسألة الرجوع هي الهاجس الأكبر لهم، حتى وان كانت مؤجلة. والسؤال هنا: هل سيرجعون يوماً الى بيوتهم؟

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة