إعادة تركيب ما جرى

3 -الزلزال
من زاوية، كان الاستفتاء على استقلال كردستان العراق (إقليماً ومناطق متنازع عليها) من طرف واحد، بمنزلة زلزال سياسي وأمني واقتصادي ضرب العراق والمنطقة، وقد ضاعف تأثيراته كونه كان معزولا، ثم مركوناً في زاوية الدفاع عن النفس، ومنزوعا من ترخيص وتحبيذ وتعاطف الدول المجاورة والاقليمية والامم المتحدة وكل اصدقاء الكرد بمن فيهم الولايات المتحدة التي تبنت كل قرارات الحماية للسكان الكرد، وتلتزم من جانب آخر بـ»سيادة ووحدة الاراضي العراقية» بموجب اتفاق الاطار الاستراتيجي مع العراق لعام 2008، فيما كان رد الفعل السلبي حيال وجاهة ومشروعية الاستفتاء اسرع واوسع مما كان قد تخيّله حتى المناهضون لقضية الكرد وحقهم في تقرير المصير، الامر الذي أحرج القيادة الكردية، وقلب معادلات التوازن لصالح الحكومة الاتحادية التي كانت الى وقت قريب تغض الطرف عن امتيازات ادارية كان الاقليم يتمتع بها وتعدها بغداد مخالفة للدستور.
والآن يتحدث الساسة والاعلاميون الكرد عن نكسة حاقت بالقضية الكردية، وهي بالمعنى المجرد، نكسة حقيقية، اذا ما قورن حال الاقليم الآن باحواله قبل الاستفتاء، ربما (أقول ربما) كان يمكن تجاوزها (او تخفيف ردود الفعل) لو جرى الاستفتاء في حدود الاقليم الدستورية من دون المناطق المشمولة بالمادة 140 وهي فرضية لا اتشبث بها، لكن الاستفتاء في كل الاحوال سيبقى استفتاء على «حلم قومي» مشروع وليس بالضرورة (ولم يكن ليتوقع له) ان يضع خارطة الاقليم على طاولة الامم المتحدة لتصبح دولة، فان الاحلام، عمرها، لا تصلح مشروعا لليقظة، ويعرف مفسرو الاحلام بأن اليقظة تأتي غالبا بما يناقض وقائعها، وقد اورد مفسر الاحلام والمؤرخ «ابن سيرين» في موسوعته الشهيرة ان الخصومة والافتراق في الاحلام يؤشران الى هاجسٍ غريزي للتآلف بين القلوب، ويستدل الى ذلك بالاية التي تنتهي بـ «وألف بين قلوبكم واصبحتم بنعمته اخواناً».
الى ذلك فان النتيجة الشاخصة، والاكثر خطورة لهذا الزلزال، تتمثل في ترويج الفكرة الكارثية عن استحالة اقامة دولة متعددة القوميات في العراق، وثم، دولة تعددية للطوائف والاديان والعقائد، إذْ انتشرت الكراهية القومية في البيئة السياسية –الاجتماعية التي هي اصلا مسكونة بهشاشة وعي الشراكة بالوطن وبالاحتقانات ومخلفات ثقافة الاستئصال والتعالي والانعزال، وقد تابعنا كيف استبيحت قيم الاخاء وحلت الفظاظة ولغة التهديد والوعيد في الفضاء الناقل للملاسنات السياسية، وجرى إخصاء معارف التاريخ في محاولة لصناعة تاريخ مغشوش ومدجج بالكراهيات، وكل ذلك جعل من طاولة الحوار والتفاوض على مرمى شروط تتناسل، إن لم تكن على مسافة مستحيل.
اقول، لا مكان الآن للبحث في مشروعية او عدم مشروعية الاستفتاء، او حق تقرير المصير فقد صار واضحا بان مشروع الدولة الاتحادية يحتاج الى مراجعة وإعادة بناء من جديد.
********
غوته- الشاعر الالماني:
«من الخطأ أن تكون الأمور الأكثر أهمية تحت رحمة الأمور الأقل أهمية
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة