الأخبار العاجلة

بريد كهرمانه

إحسان ناجي

الخبر الذي يتنقل عبر فيس بوك:
داهمت، الخميس الثامن عشر من تشرين الأول، قوات مشتركة من الجيش والشرطة، الأندية الاجتماعية الكائنة في منطقة السعدون وسط بغداد.
شهود عيان قالوا:»قوات مسلحة داهمت مرتادي المحال الاجتماعية لحظة خروجهم من تلك المحال التي لم تتعرض لمساءلة من أي نوع، قرابة العاشرة مساءً».
وأضافوا، «العملية بدت تصرفات شخصية، ولعلها إملاءات.. المداهمون لم يكونوا ملثمين».
ناج من الحادثة، وَصَفَ: «ذلك مروع.. تخيل أنك تجد نفسك، فجأة، خارجاً عن حدود الله…».
ومضى: «تعرضوا للضرب والإهانة قبل أن يساقوا إلى مركز الشرطة في السعدون من دون أمر قضائي. كانوا يخشون أكثر من أن يطرحوا أرضاً إلى جانب الرصيف وأيديهم خلف رؤوسهم».

*     *     *
– «ليش تخالف القانون»؟.
لم يجب، وحاول تهدئة الجندي:
– هذه آخر مرة..
– من يقول؟
– …. وآخر مرة لي في بغداد..
التفت إلى صاحبيه، ولعله يضبط قواه:
– هل قرأتم آخر نشرة لـ «الوقائع العراقية»؟!..
على الجندي أن ينتهي:
– إذن، أركض إلى آخر الشارع وأرجع، بدقيقتين، وسأخلي سبيلك…
كان الشارع الفرعي الذي يربط الشارعين السعدون وأبو نواس يمتد إلى نحو مئتي متر فقط.

*     *     *
الجمعة..
يبث الراديو اتصالاً مباشراً مع الجمهور في برنامج التاسعة مساءً. ضيوف الحلقة ثلاثة أشخاص وعنوانها «الحرية عارية».
الأول: لقد تعرضت للاهانة..
الثاني: ثم … وتعرضت للابتزاز.
تنهال المكالمات. ينتفض الجمهور بين مؤيد ومعارض. يخرج النص عن الإعداد..
المذيع:
– آسف، سنعاود الاتصال بالثالث..

*     *     *
السبت، زوالية، هاتفها:
– هلو، باختصار.. لم يعد لي مكان في بغداد. نجوت بأعجوبة. المشكل أنني لم أكن أملك غير ثمن علبة سجائر..
– لا، يا الله ..
وأردفت وهي تضحك:
– أدري. المحال مقفلة، كلها.. الآن..
لم يكن أدرك الوقت بعد، لكن جسده بدأ يرتعش..
6:21 مساءً، هاتفته:
– الآن ممكن. بخلاف الطارئ، سأضع الخرقة السوداء، إياها، على الباب الرئيس. شدّ الباب خلفك بقوة. رفعنا مدخل المنزل شبراً تقريباً وأصلحنا المجاري، لقد طفحت علينا المياه.. المياه الأخيرة.
شعر بأن الأمور ليست بذلك التعقيد، وفيما هو يفكر، بادرت:
– لا تقلق، رتبت كل شئ.. حتى نقطة التفتيش.

8:13 مساءً:
قبل أن ينتقلا إلى غرفة الجلوس في الطبقة العلوية من المنزل، وضعا كأسيهما على طاولة جد صغيرة في المطبخ واسترخيا جلوساً على الأرض المكسية بكاربت بني سميك. مضت تتحدث عن مواصفات جديدة لحبها له.. وانتظارها. إنتشت، وأخذت تضحك بغنج، مستدركة:
– أعرف أنه سؤال في غير وقته. المفردة الثانية في اتصالك الأول كانت: «مشتاق لك». هل هي حقيقة..؟.
– لا أدري..؟
– هذا أنت.. هو، أنت هو..
غادرا المطبخ بعد أن أعدت له طبقاً كبيراً من فيليه السمك، وأخذا الجلوس جنباً إلى جنب في مهجع علوي؛ كان غرفة ملحقة بأخرى للنوم ومرحاض، ويطل على الحديقة الأمامية للبيت عبر باب من زجاج كبير مغطى بستائر مخملية بنية، وشرفة مهملة.
– دعك من هذه الكأس، إنها ثقيلة. لم نمارس غير الـ (OUZO) والدخان، وصمتك الحقير!.
– بعد أن أخرج منك، ربما سأنتقل للعيش بعيداً عن رقبتي؟!..
قبل أن ترشقه ببقايا كأسها، كادت تختنق من شدة الضحك وهي تتماوج بجسدها المغطى بقماش شفاف يشبه النايلون..
– هل هذا ما يقلقك. طيب، ماذا عن هذا؟..
تمعن بها وكأنه يتفحصها للمرة الأولى. أخذه السكْرُ، وبصوت هامس رخيم ما بقيت سكينة رأسه، يقول في نفسه:
«يا عيني على التاتو الذي يعتلي عينين سوداوين واسعتين حوراء، وتصدّر ظالة شعر برغندي* اللون تدلى على نهدين شبه عاريين تنتصب منهما الحلمتين منتفختين كقطعتين من عجينتين صغيرتين مشويتين، وخصلة منه إلى البطن المرتفعة قليلاً عند السرّة التي تمسكها خاصرتان جافتان مقعرتان، وينزل الورك بشبه قاعدتين إلى فخذين قصديريين منتصف نحت تلك الكهرمانة حيث عبق هجين لعطر الـ (ONE MAN SHOW) حتى الرسغين اللذين تقطعت عندهما الدروب..
وهي تتمسك بمخارج حروف صعبة:
– يا رجلي، طزززز ببغداد ورعاتها..
مسحت عن طرف عينها اليسرى دمعة ثقيلة، وفوضته نفسها، على نسقها:
– كلنا في خدمة الشعب (النائم)..

*   *   *
منتصف الليل، هاتفته:
– الجو هادئ عندك؟
– أنا في الفراش..
– … قتلوا الأزيديين في «الوزيرية»؟!.
– في النشرة المحلية ..؟.
الصوت يبتعد عن أذنه:
– لا.. جماعة الوزيرية… ألو.. ألو..
يقفل الموبايل، يفتح شباكاً يطل على سطح المنزل، يسند خديه إلى قضيبي الشباك الحديديين. ويكاد يشهق أنفاسه..

*   *   *
1:30 بعد منتصف الليل:
يحتفظ برسالة مسوّدة:
كُلنا، بأقليتنا، حَطوط إلى العتمةِ، سجيةُ أزمانٍ خائبة وأوطانٌ قصية. نتمسك بماضٍ منتكس السمعة والحضور. ذاكَ البضع المأخذُ علينا المسلوب منّا، أساس لنا، غُدافٌ مضطرب.

غبشاً:
يدندن بفيروز.. يترنح على الرصيفين بخفة:
– سأمشي. هذا الرصيف، لا، ذاك، لي وحدي …

صباحاً:
واجه الشمس بعينين متورمتين ملتهبتي الجفنين. يضغط بإحدى يديه جبينه إلى نظرة بعيدة. يقترب من رأس شارع الوزيرية الرئيس: لا شيء يذكر، المركبات تتهادى، والناس أشبه بروزنامة قديمة، الكل وضع يومه في داخل دائرة حمراء واحدة.
صار يسحل قدميه راجعاً. الدرب مضروب في اثنين، ومازال يترقب الحركة التي تتثاءب هي أيضاً.

*      *       *
سخروا منه، وقالوا لأطفال المدارس:
– لا يجوز النظر له، وجود أمثاله بيننا حرام..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة