الأخبار العاجلة

دراسة القافية في «أناشيد الرائي«


مؤيد عليوي

تنبلج القافية في ديوان «أناشيد الرائي « للشاعر د.وليد الزبيدي، بشعر ذي الشطرين (العمودي) منه وقصيدة التفعيلة متغير القافية، عن توظيف فني للقافية المناسبة من خلال حرفيها الروي والردف والاخير  من شروطه أن يكون حرف علة (الف، ياء، واو) حرف مد الصوت، بما يتماهى من استعمال القرآن الكريم في الآيات الشريفة من مثل الف في سورة الرحمن قبل نهاية الآية بالنون، وهذا التوظيف القرآني للتناغم بين أصوات الحروف العربية في كلمات الآية الواحدة، قد أطلق عليه صاحب كتاب «أعجاز القرآن والبلاغة النبوية» مصطفى صادق الرافعي بـ» الموسيقى اللغوية « كما نشير هنا الى نظرية النظم الصوتي في القرآن الكريم وتطبيقاتها (1) بما يتماهى ويقترب أكثر في الجانب الفني من عمل النقد هنا فيما يخص مدلول القافية في شعر « أناشيد الرائي «.

 لقد كانت أغلب قصائد ذي الشطرين من « أناشيد الرائي « تتصف بهذه السمة الفنية من مثل قصيدة « قالوا « وقصيدة « بين كفين « وقصيدة «أبلغُ التُرجمانِ» وقصيدة « بغداد « وقصيدة « سأنتظرُ العراق « وغيرها ممن تتوافر فيها هذه السمة الفنية فهذا الاستعمال لحرف الردف في القافية يُحدث تطريبا في الشعر وإيقاعه الداخلي للقافية بما يتصل بدلالة البيت الواحد ومدلول القصيدة العربية، فالتطريب عند العرب يحدث بسبب الفرح أو الحزن والالم ،ففي قصيدة « قالوا «  :

قالوا :عليلٌ ما به  إعياءُ        ونحيلُ جسمٍ ليس فيه الداءُ

فآختارَ طبُ في تقلب حالتي     وتحير العرافُ والحكماءُ

نرى أن حرف الردف (الالف) مد الصوت هو من يحدث التطريب فيشير الى حالة الحزن ويحدث ترطيبا تهتز له دواخل الانسان، لعدم معرفة سبب نحول الجسم او عدم اكتشاف السر في معنى البيتينِ، وعند استمرار قراءة القراءة نجد أن مدلول القصيدة برمتها يعطي معنى الحزن بسبب النوى بين العاشقينِ الذي تكشفه نهاية القصيدة ،فيكون حرف الردف في القافية يمنح مدلول التطريب المناسب بسبب حزن الشاعر على فراق حبيبته وصبره على الدهر وأفعاله وليس به مِن مرض أو علة، كما تبين نهاية القصيدة :

ما قلتُ حرفا من لآليءِ إسمها    خوف العذول ولن يبرح نداءُ

سأظلّ شوقاً لا أبوحُ بسرّها     ويصون حبّي في الدّهور وفاءُ

وفي قصيدة « أبلغُ ترجمانِ.. «، يكون معنى ومدلول حرف الردف( الألف) في قافية القصيدة ، تطريب من تهزه الذكريات ويأخذه الشوق والحنين الى لقاء الحبيبة في أجمل وأعف تعبير عن العاطفة الانسانية من رجل  يعشق ويحرص على المرأة  الحبيبة المعشوقة، ومن قصيدة « أبلغُ ترجمانِ.. «  :

يلوموني إذا ما لمت نفسي     بأن البعد خير من التداني

فقد جربتُ قربكِ بعد نأيٍّ       فأسقمني وبعثر كياني

فتخشين الحديث لأن جمعا   يراقب، ينثني بين المعاني

تخافين اللقاء بناظرينا         لأن العين أبلغ ترجمانِ 

وفي قصيدة «سأنتظرُ العراق « نجد الترطيب يحدث بسبب الالم لما لحق بالوطن فيكون مدلول الردف ( الالف) متصل بمدلول القصيدة التي تنز الماً وطينا على العراق، ومنها :

سأنتظر العراق ، متى يأتي   دهورا عاشها قلقا عراقُ

تهجر من سوادٍ كان خيرا      فالسبه السواد دم يراقُ

تهجر رافداه وما عليه         واعمل في بقيته الخناقُ

ومن آثاره سيقت سبايا      ومن أجوائه سُرق المحاقُ

سأنتظر العراق فلا عراقا       إذا  ما غُيّرت سنن، سياق

متى  ما غُيرت فينا  نفوس    سيجمع  شملنا هذا العراق..!

وفي قصيدة « بين كفين «، نسمع حرف الردف (الياء) مدا في القافية يسبق الروي (النون الساكنة) ،فتكون القافية مقيدة مسبوقة بالردف ، وهنا التقيد متصل بمدلول القصيدة ففي المطلع منها :

بين خوف وارتعاشٍ وحنين    صار كفي بين كفيك رهينْ

حيث لا يشغل كف الشاعر غير كفي الحبيبة، والكف جزء واراد الشاعر كله مرهون لها مقيد بها كما تشير (النون الساكنة) فالسكون قطع الصوت في النطق بمعنى أن الشاعر وقف على المعنى ولا يغادره مما يؤكد اتصال مدلول القصيدة برمتها بالترطيب حبا وعشقا وانجذاب الشاعر كله الى الحبيبة واخلاصه لها كما تفصح عن هذا كل ابيات القصيدة .

أما في قصيدة التفعيلة متغيرة القافية :  سنأخذ أنموذجا واحدا منها قصيدة «سؤال أخضر « ففي القافية وحركتها الاعرابية وتوظيف علامة السكون في نهاية القافية المتغيرة بما يناسب المدلول الشعري فنجد فيها السكون عندما يكون المدلول احتكار على معنى ما أراد الشاعر وليد الزبيدي، حيث السكون قطع صوت بمعنى نهاية الكلام والمعنى ،فحين يقول: ( ليعنيكِ / هسيسُ ندى ، ولفحة بردْ / أنين الناي وهمس الوردْ ) يوقف الشاعر مشاعره على الحبيبة ولا سواها ، بمعنى أن همس الورد في كلامكِ أنت فقط حيث السكون على الدال القافية ينهي أي همس أخر وكذلك بقية المشاعر في القصيدة، كما أن استعماله صوت الواو المكسورة اقوى الحركات الاعرابية صوتا كما يقول أبن جني عالم الصوت واللغة العربية ، في قوله (  بطعم القهوةِ / ساعةَ يسطع برقُ الصحوِ/ بدفء عبيرْ ) فهنا حركة الكسرة في الواو قافية تدل على الحياة واستمرار العشق من الشاعر واللقاء بها تشي بقية سطور القصيدة، وكذلك قافية الراء الساكنة في (بدفء عبيرْ) فصوت الراء يحمل صفة التكرار وهي الصفة الوحيدة فيه والخاصة به دون أصوات اللغة العربية، وهذه الصفة الميزة تمنح معنى استمرار دفء الحبيبة مثل العبير للشاعر العاشق ، وتكون دلالة السكون هو احتكار تلك المرأة لهذه الصفة بين النساء مع استمرار لقائهما وحوارهما     ……………….

*********************

* «أناشيد الرائي»، شعر د. وليد الزبيدي، دار السكرية للنشر والتوزيع ،القاهرة، 2018 .

1 – ينظر : مؤيد عليوي، جوانب تطبيقية لنظرية النظم الصوتي في الدلالة القرآنية ،شبكة المعلومات الدولية . وقد كانت الدراسة من أهم المصادر المعاصرة في بحث الدكتورة زهراء خالد العبيدي – كلية الآداب/ جامعة الموصل، في بحثها الموسوم بـ » دلالات النظم الصوتي في سورة الفلق « ، والمنشور في مجلة  كلية التربية الاساسية/ جامعة بابل، عدد 10/ كانون الثاني 2013، وكذلك نُشر في شبكة المعلومات الدولية، بذات العنوان .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة