الأخبار العاجلة

المناقب والمثالب

لعل من أكثر أنواع الكتابة رواجاً، إذا ما استثنينا الشعر الحديث، تراجم المشهورين الذين رحلوا عن عالمنا هذا، تاركين فيه الكثير من الكتب والأقوال والأفعال. فأخبارهم مبثوثة في الكتب، متناثرة في الصحف. وليس من العسير جمعها في مقالة أو بحث أو دراسة.
بل إن بعض الناجحين تولى هذه المهمة بنفسه، فكتب عن تجاربه الشخصية، ولم يغفل إلا القليل. وقد أصاب قوم وأخفق آخرون. لأن مقياس التوفيق في هذا الجانب هو المصداقية. فالحقيقة هنا ذاتية وليست موضوعية. وهي مع ذلك نافعة، لأنها تثبت وجهة نظر شخصية لا يتيسر الحصول عليها في كل الأحيان. إلا أن بعضهم تعمد أن يضع ترجمته على هيئة اعترافات. ومن أشهرها على الإطلاق اعترافات جان جاك روسو.
غير أن ما أثار عجبي في هذا الموضوع أن بعض من سبر غور الناجحين حاول بطريقة ملتوية تدوين سيرته الشخصية، وبعض من أراد بيان تفوق الآخرين، قام بشكل ملتبس بإبراز آرائه الخاصة. وليس في ذلك ضير إذا كان الموضوع يحتمل مثل هذا التداخل. لكن أن يؤدي ذلك إلى الإساءة إلى هؤلاء، أو التقليل من شأنهم، فهذا أمر غير مقبول قطعاً.
وقد قرأت ذات مرة مقالة مطولة لأحد الأساتذة الشيوخ، الذين زاملوا الدكتور عبد الرحمن بدوي (1917 – 2000) أستاذ الفلسفة المعروف، في ذكراه. وقد أسهب الرجل في تعداد مناقب الدكتور بدوي، لكنه كان في كل مرة يذكر فيها منقبة له، يشفعها باختلافه معه، أو يعتذر فيه عن هنات بدرت منه، أو يقلل من إنجازات أثرت عنه، أو ينفي صفات أسبغت عليه. وكأن الموضوع هو بيان مآثر الكاتب لا غير. فأسهل الطرق للشهرة، وأكثرها مورداً للنجاح، هي المقارنة مع كبار الأساتذة الذين طبقت شهرتهم الآفاق، وانتفع منهم الباحثون، وتتلمذ على أيديهم الطلاب.
ولو اقتصر الأمر على موضوع بعينه، لهان الأمر. لكن أن يعدد الكاتب عشرات النقاط التي يبدأها بعبارة مثل «صحيح أننا نجد بين كتبه ما يتصف بالتسرع والاقتباس، لكن..» أو قوله»صحيح أنه لا يعد فيلسوفاً بأي معنى، لكن هذا لا يقلل من شأنه..» أو قوله»صحيح أننا نجد بعض القصور من حيث المنهج، لكن هذا لا يقلل من شأن هذا العمل الكبير» أو قوله»صحيح أننا نجده يقع في بعض الأخطاء، ونجد له بعض الخلط والاضطراب، لكن هذه الأوجه لا تقلل من جهده..» وهكذا.
مثل هذه الاستدراكات كثيرة متعددة ، تجعل من هذه المقالة انتقاصاً من الغير، واستهانة بقدراته. فإذا كانت قد كتبت لتخليد ذكراه، فكيف سيكون الأمر لو كانت عكس ذلك. لقد سعى الكاتب بوعي منه أو دون وعي، لإيهام القارئ أنه هو أفضل عملاً، وأرجح رأياً، وأكثر علماً، وأولى بالتكريم منه. وهي أمور لا تدل إلا نرجسية عالية، تتنافى دون شك مع الأمانة والحقيقة.

محمد زكي ابراهيم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة