مشوار الألف ميل يبدأ بالتعليم

ونحن عند أبواب عام دراسي جديد، نحتاج الى قرع أجراس الخطر تحذيرا لما يحصل في هذا الحقل الحيوي في حياة المجتمعات والدول، فهو كقطرة الماء تكشف ما تختزنه أعماقها من مناخات وشروط واستعداد للرقي أو الانحطاط. لقد كشف الموقف الذي اتخذته الطبقة السياسية في هذا المجال، وطوال أكثر من خمسة عشر عاماً على “التغيير” عن هويتها ونوع اهتماماتها وهمومها الفعلية، البعيدة كل البعد عما تتمشدق به من شعارات التغيير والإصلاح، والذي لا قيامة له من دون وضع الأساس الراسخ لبنية تعليمية تنتصر للإنسان وتنتشل عقله ووجدانه من مستنقعات الركود والتبعية والخنوع، الى حيث العقل النقدي والفضول المعرفي الذي أكرم سلالات بني آدم في العصر الحديث. لم يعد سراً أمر المآثر التي اجترحناها وانتزعنا من خلالها موقعاً رائداً على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً وفشلاً، وفقاً لآخر إصدارات منظمة الشفافية العالمية، وعندما نقتفي أثر هذه المآثر، نجدها مستلقية بثقة واسترخاء على تضاريس منظومة التربية والتعليم بغالبية مؤسساتها وإداراتها ومناهجها وملاكاتها وقياداتها التي اختيرت وفقاً لمعايير الدمار الشامل المعمول بها من قبل الطبقة السياسية التي أعادت صناديق تدوير ممثليها وواجهاتها الى سنام السلطات لأربعة أعوام إضافية مقبلة. إن انتشار وباء الفساد وتمدده لكل تفصيلات حياتنا المادية والقيمية، يقف وراءه ما يحصل من كوارث في التعليم، فالقاضي الفاسد والمعلم الفاسد والطبيب الفاسد والصيدلي الفاسد والمحامي الفاسد وليس آخراً الإعلامي الفاسد؛ جميعهم نتاج لما يجري في حطام مدارسنا وجامعاتنا الحكومية منها والأهلية التي تورمت بشكل خرافي في الآونة الأخيرة، وفقاً لحاجات قسمها الأعظم لا يمت للعلم والإنتاج والابتكار بصلة.
عندما تتوشح كتاباتنا بعدم الثقة حول غالبية ما يطفح على سطح المشهد الراهن، من مزاودات واستعراضات تدعي الإصلاح بشتى أشكاله السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمية، فذلك يعود لما أشرنا اليه حول التعليم بوصفه الميدان الذي تتكشف فيه جدية الادعاءات من زيفها، وهذا ما دونته جميع التجارب التي عاشتها الأمم التي وصلت لسن التكليف الحضاري. ومن سوء حظ سكان هذا الوطن القديم، ان تنتقل مقاليد أمورهم من نظام جعل راتب الملاكات التعليمية لا يكفي لشراء طبقة بيض، الى طبقة سياسية يقبع ملف التربية والتعليم في قعر اهتماماتها، وما الفضيحة الأخيرة لتسرب أسئلة الامتحانات وعجز وزارة التربية والتعليم عن منع مثل تلك الممارسات المشينة إلا دليل واضح على المستوى الذي انحدرنا اليه في هذا المجال الأشد فتكاً في حياة الشعوب والأمم. علينا الوصول الى قناعة مشتركة حول المشوار الذي ينتظرنا، وان بدايته الفعلية والجادة هي من بوابة التعليم لا غير، ومن دون حصول زحزحات وتحولات نوعية وشجاعة فيه، لا يمكن انتظار أي بصيص من النور في نهاية هذا النفق من الخيبات والفشل. لقد انتبه العديد من المفكرين والكتاب لمثل هذا الهرم من الأولويات الذي يشكل التعليم سنامه وعماده الأساس، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر طيب الذكر الدكتور طه حسين؛ حيث عد التعليم بوصفه عماداً للثقافة التي من دون ازدهارها لا أمل لنا في التحرر من سبات امتد على مضاربنا المنحوسة لأكثر من ألف عام وعام، وموقف القوم من الثقافة لا يحتاج الى شرح وتوضيح، وحالها لا يقل بؤساً عن الوزارات المعنية بالتربية والتعليم، حيث لا أثر فيها لكل ما يمت بالإصلاح والتغيير بصلة…!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة