جلسة الصالون الثقافي العربي في النادى الدبلوماسي المصري لتكريم قيس العزاوي ومناقشة الاوضاع الثقافية العربية

( الحلقة الثالثة )

الأستاذ السيد يسين:

أريد أولاً أن أشكر الدكتور مصطفى الفقي على دعوته الكريمة لنا وأرحب بصديقي العزيز الدكتور قيس العزاوي وأستاذنا الدكتور يحيى الجمل رئيس الصالون.
اسمحوا لي أن أقترح خطوة لهذا الصالون في المستقبل: أحدى مشكلات المجتمع العربي الراهن هي عدم التجدد المعرفي للنخبة السياسية والنخبة الثقافية وأقصد بذلك أن النخبة السياسية المصرية والعربية عموماً تخلفت عن متابعة الأوضاع السياسية في العالم سواء كانت نظاما رأسماليا أو إشتراكيا أو ديمقراطيا، تخلف حقيقي ولو أجرينا استطلاع رأي للأحزاب القديمة أو الحديثة ماذا يعرفون عن تغيرات النظام العالمي في آخر عشرين سنة فسنجد بأنهم ليسوا منشغلين بهذا برغم أن في عصر العولمة المسافة بين المحلي والعالمي أصبحت بالغة القصر، أي حدث محلي يمكن أن يؤثر عالمياً والعكس صحيح.. العالم أصبح متصلا ببعضه ونعيش فيما يسمى Real Time الوقت الواقعي لحدوث الحدث فمثلاً لو حدث إنقلاب في نيجيريا نراه في لحظة الحدث نفسها.. أو حريق في نيويورك نعلمه في اللحظة نفسها.. وأعتقد أن مهمة الصالون الثقافي تتحدد في كيفية ممارسة التجدد المعرفي ثقافياً للنخب الثقافية. نحن لسنا سياسيين، بمعنى لابد لهذا الصالون أن يناقش القضايا الفكرية المطروحة على مستوى العالم.. ما هي القضايا التي يفكر فيها العالم؟ لابد أن نتابعها بسرعة وبدقة وبصورة نقدية.
النقطة الثانية البالغة الأهمية هي تعليق على الكلمة المهمة للصديق العزيز صلاح فضل: أعتقد أن المشكلة الحقيقية والجذر الحقيقي للمشكلة هو ما يمكن تسميته (الرفض العربي للحداثة الغربية) من سجل هذا ببراعة هو المؤرخ المغربي المعروف عبد الله العروي في كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة الذي صدر بالفرنسية وترجم ترجمات مشوهة في بيروت وآثر هو بعد عشرين سنة إلى ترجمته إلى العربية بنفسه.
العروي طبق فكرة عند الفيلسوف أو عالم الاجتماع الألماني «سان بيير» فيما يعرف بالنماذج حول المثالية أو الانموذجية، هو حدد ثلاثة نماذج فيما سماه «وعي الشيخ» ويقصد به الشيخ «محمد عبده» الذي حاول تجديد الإسلام.. و»وعي الليبرالي» ويقصد به أحمد لطفي السيد.. و»وعي داعية التقنية» ويقصد به سلامة موسى. هذا التاريخ الفكري لاستكمال الحداثة الغربية بالغ الأهمية.. الحداثة الغربية مشروع حضاري هو أساس التقدم الغربي.. الناس تخلط بين الحداثة والتحديث وهذا خلط معيب، التحديث عملية إجتماعية «الإنتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث».. أما الحداثة مشروع فكري حضاري، إن أهم ما في الحداثة مبدأها الفكري أن النص هو حق الحكم على الأشياء وليس النص الديني. هذا هو الرد الإسلامي على الحداثة الغربية وهي مسألة ترسيخ مبدأ العلمانية وانتصار للنظام السياسي الغربي عن شرطة الكنيسة.
الشيخ «محمد عبده» حاول في كتابه المعروف «الإسلام بين العلم والمدنية» أن يوفق توفيقاً يقول أن الإسلام يستطيع أن يقرأ قراءة عصرية ويمكن أن يكون بالتالي انموذجاً يحتذى أي ليس ضرورياً أن نأخذ الانموذج الغربي. أحمد لطفي السيد قال العكس من قال هذا؟ فلنترك التراث كلياً ولابد من الأخذ بالانموذج الغربي بالكامل سياسة واقتصاداً وقيماً. ركز سلامة موسى على التصنيع وعلى التكنولوجيا.
إذن القضية الأساسية الفكر الخاص بالجماعات الإسلامية الآن يعود إلى الوراء ورفض الحداثة الغربية وخصوصاً في مبدئها الفكري.. هذا العقل يحكم على الأشياء وليس النص.
النقطة الأخرى المهمة في الموضوع: النظام الليبرالي طُبق في العالم العربي في مصر وسورية والعراق.. إلخ. التجربة كانت مشوهة بحكم الاحتلال الإنجليزي في مصر وفي العراق وكانت محاولة ليبرالية مقيدة ومبتسرة لتدّخل سلطات الإحتلال في ممارسة الديمقراطية وفي الوقت نفسه كان هناك محاولات لتطبيق الإشتراكية ولم تنجح ومن هنا كباحثين نقول أن هذا كان أحد الأسباب الحقيقية بعد 1967 بالذات في صعود التيارات الإسلامية المختلفة والتي تحولت إلى جماعات إرهابية.
أريد القول أن أحد مهام الصالون الثقافي أيضاً هو التتبع النقدي للمشاريع النهضوية في المنطقة العربية، في هذا المجال هناك مفكر مغربي صاعد هو «عبد الإله بلقزيز» أستاذ الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني أنجز ثلاثية بالغة الأهمية في الفترة الأخيرة.. درس مقالات الحداثيين وأخرج كتابا «في النقد الفلسفي المعاصر»- خمسمائة صفحة يعتبر إنجازاً حقيقياً ثقافياً لأنه دراسة نقدية للمشاريع النهضوية العربية موثقة، وينبغي أن ينَاقش في هذا الصالون لنعرف كيف يمكن أن نقيم التاريخ الثقافي والتاريخ العربي.
النقطة الأخيرة حتى لا أطيل: ما الذي يحدث في العالم؟
مسألة التجدد المعرفي للنخبة الثقافية- اليوم كان لدينا اجتماع في المجلس العربي للبحوث بوجود مجموعة كبيرة من الخبراء في الوطن العربي.. قلت لهم أن ما يحدث الآن في العالم يمكن تسميته ما بعد العولمة. العولمة في فكر العلماء في الخارج مرحلة وصلت إلى منتهاها لأن في الأزمة المالية التي حدثت في أميركا 2008 سقط الانموذج الرأسمالي وسقطت الليبرالية ومن واقع تجارب عديدة سقطت نماذج الديمقراطية النيابية. رأينا كتاب الإقتصادي الفرنسي «توماس بيكيتى» «رأس المال بالقرن الحادى والعشرين» الذي قال فيه أن عوائد رأس المال في الدول الرأسمالية أصبحت أكثر من رأس المال نفسه، وبالتالي سيطرت القلة على الثروة الوطنية وأخطر من هذا قال: الديمقراطية الأميركية مرشحة أن تنتهي وتتحول إلى حكم القلة. من الطريف أن بعد ما كتب «بيكيتي» كتابه العام الماضي فإن المرشح لرئاسة الجمهورية فى أميركا عن الحزب الجمهوري ملياردير كبير جداً «دونالد ترمب» عمل مؤتمر صحفي وقال فيه أن النخبة السياسية فاسدة وقد رشيتهم كلهم بما فيهم «كلينتون».. انتهى عصر الديمقراطية الوهمية وبدأ عصر سيطرة المال للحكم مباشرة.
بإختصار: هناك إجماع عند علماء السياسة أن عصر الديمقراطية النيابية ونتيجة التمثيل انتهت وأصبحت لا تجدي ولا تشبع حاجات الشعوب، وقد رأينا الإنتخابات المصرية إنتخابات عبثية.. رأس المال شغّال ورجال الأعمال يشترون النواب وتوجد أمية سائدة وتوجد عصبيات وبالتالي الحديث عن أن الإنتخابات تعبر عن الشعب المصري لا أساس لها كما أنها لا تعبر عن الشعوب الأخرى.
في إيطاليا مثلاً رئيس الوزراء الذي جاء بالإنتخابات وكان مليارديرا وفاسدا فساداً أخلاقياً وسياسياً وقد حُكم عليه في قضية فساد أحكام جنائية. مما يدل على أن الديمقراطية النيابية عصرها انتهى. ويبقى السؤال: ما هو البديل؟ البديل الآن هو ما يعرف بالديمقراطية التشاركية وهى عملية تؤكد على المشاركة الواسعة للناخبين في توجيه وإدارة النظم السياسية، أو هي شكل من أشكال التدبير المشترك للشأن العام المحلي يتأسس على تقوية مشاركة السكان في اتخاذ القرار السياسي وهي تشير إلى انموذج سياسي «بديل» يستهدف زيادة انخراط ومشاركة المواطنين في النقاش العمومي وفي اتخاذ القرار السياسي. وهذه الفكرة لم تتبلور بعد والمهم أن النخبة السياسية تبدع انموذجها الديمقراطي العربي الأصيل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة