الأخبار العاجلة

نحو عراق جديد سبعون عاماً من البناء والإعمار

هشام المدفعي
اعتادت الصباح الجديد ، انطلاقاً من مبادئ أخلاقيات المهنة أن تولي اهتماماً كبيرًا لرموز العراق ورواده في مجالات المعرفة والفكر والإبداع ، وممن أسهم في إغناء مسيرة العراق من خلال المنجز الوطني الذي ترك بصماته عبر سفر التاريخ ، لتكون شاهداً على حجم العطاء الثري والانتمائية العراقية .
واستعرضنا في أعداد سابقة العديد من الكتب والمذكرات التي تناولت شتى صنوف المعرفة والتخصص وفي مجالات متنوعة ، بهدف أن نسهم في إيصال ما تحمله من أفكار ورؤى ، نعتقد أن فيها الكثير مما يمكن أن يحقق إضافات في إغناء المسيرة الإنمائية للتجربة العراقية الجديدة .
وبناءً على ذلك تبدأ الصباح الجديد بنشر فصول من كتاب المهندس المعماري الرائد هشام المدفعي ، تقديرًا واعتزازًا بهذا الجهد التوثيقي والعلمي في مجال الفن المعماري ، والذي شكل إضافة مهمة في مجال الهندسة العمرانية والبنائية وما يحيط بهما في تأريخ العراق .
الكتاب يقع في (670) صفحة من القطع الكبير، صدر حديثاً عن مطابع دار الأديب في عمان-الأردن، وموثق بعشرات الصور التأريخية.
الحلقة 63
نشاطات في المجالات الثقافية
لا يمكن ان أقضي يومي ما لم ازداد معرفة ، في الهندسة أو الادب وفنون الحياة وبشكل متواز مع اداء واجباتي في مكتبي . فالفنون تكون حياة الانسان والعلوم تديمها . وان تقلصت فرص تلك النشاطات في بغداد منذ 2003 لكثرة من غادرنا أو هاجر ، … إلا ان ما تبقى من اصدقائي واصحابي الكرماء في بغداد ، عملوا قدر ما امكنهم على إعطاء نكهة للحياة التي نعيش . ان الحوارات الشخصية والحضور الى المنتديات الخاصة والمحاضرات في معهد التقدم للدراسات , وفرت الحد الأدنى من المحاضرات والاجواء الفكرية الثقافية التي لها علاقة بواقع العراق حاليا التي ننشغل بتحليلها ودراستها بين فترة واخرى.
ومن الجانب الآخر أقول ان صداقتي الشخصية مع العالم الكبير الاستاذ سالم الالوسي(رحمه الله) وحضوري ديوانه الاسبوعي في ايام الجمع من كل اسبوع والحوارات وتبادل الآراء والخبر والمعرفة ، قد زادتني معرفة اسبوعيا في ما يبحث من امور لها علاقة بالعراق بصورة عامة وبتاريخ بغداد او المجتمع العراقي او زيارات المستشرقين الاجانب والبحث في آثار العراق . ان حضور الاستاذ العالم حميد الرشودي ديوان سالم الآلوسي يزيدنا دائما علما ومعرفة عن تاريخ بغداد وشخصياتها وشعرائها وخططها وتوضيح ما نجهله عن بغداد. حضور ديوان سالم الآلوسي اسبوعيا ولقاء مجموعة المفكرين والمتخصصين وكبار شخصيات بغداد القريبين في سكنهم من هذا الديوان يعزز فكرة الالتصاق ببغداد .
وأذكر ما لشارع المتنبي ومكتباته وساحات القشلة والمنتدى الثقافي في ابنية المحاكم والاعداد الكبيرة من المثقفين المفكرين والشباب المتطلع الى المعرفة يختلطون مع باعة الكتب المثقفين الذين تمتد بسطياتهم على أرصفة الشارع يعرضون المئات والالوف من المراجع والكتب في كل اصناف المعرفة . يمكنك ان تلتقي هناك بالعديد من الادباء والشعراء والمثقفين منتشرين في الشارع . الا ان نشاطات شارع المتنبي قد امتدت في السنة الأخيرة لتغطي ساحات وقاعات (بناية المحاكم)التي شيدت في العهود العثمانية لتكون مخصصة للمدرسة الرشدية و للمحاكم وفضاءات ساحل دجلة المجاور ،كما امتدت نشاطات شارع المتنبي لتغطي (ساحات بناية القشلة) حاليا حيث تجد حلقات الشعراء والمتكلمين ومن يعزف على قيثارته أو الادوات الموسيقية الاخرى . الواقع يقال ان ضغط الشباب المثقف في بغداد على طلب المعرفة قد أثر على السلطات وتعاطفت لتوسيع نشاطات شارع المتنبي الى ساحات المحاكم والقشلة مما وفر المساحات الاضافيه للاجواء الفكرية الرفيعة لتفتخر بها مدينة بغداد . لم اجد مثل هذه النشاطات في اوربا الا خارج مركز ( بومبيدو) في باريس ، الا ان شارع المتنبي يكبر ساحات بومبيدو بعشر مرات تقريبا.
مشاريع كبرى في المحاضرات واللقاءات
لم يسمح لي التفرغ لإنجاز عملي المكتبي بالمشاريع الهندسية ان اكثر من المحاضرات.من مساهماتي خلال هذه الفترة في المحاضرات جاءت بالعناوين التالية:

حول انشاء ميناء الفاو الكبير
قدمت محاضرة في معهد التقدم للسياسات الانمائية وبينت ما اعرف عن فكرة ميناء الفاو الكبير، التي بدأت عندما طلبني امين العاصمة عبد الوهاب المفتي في احدى امسيات شتاء 1985وانا في مكتبي في امانة العاصمة , وعرض علي أمر رئيس الجمهورية الذي يخوله كل صلاحيات رئيس الجمهورية لانشاء ميناء الفاو الكبير الذي يمتد من منطقة رأس البيشة على رأس الخليج الى داخل الخليج بطول 12 كم وتخصيص مبلغ (100) مليون دينار كسلفة تشغيلية اولية للمباشرة . طلب مني عبد الوهاب ان اساعده في كيفية المباشرة والاجراءات المطلوبة علما انه التزم مع رئيس الجمهورية بمدة خمس سنوات لاكمال للمشروع .
كان الامين مرتبكاً وقلقاً حول المدة التي التزم بها مع رئيس الجمهورية لإكمال المشروع ويلوم نفسه على المدة القصيرة التي حددها ، والحقيقة ان هذا المشروع هو اوسع واهم من اي مشروع استراتيجي اخر في منطقة الخليج ، والذي يحول نسبة كبيرة من البضاعات التي تمر عبر قناة السويس او يقلل فترة وصولها الى اوربا . هدف الميناء هو استقبال معظم بواخر البضاعات المستوردة من اوربا على ظهر السفن وتحويلها الى القطارات في ميناء الفاو الكبير لإيصالها الى اوربا عبر شبكة السكك العراقية. هذا المشروع الجبار يفيد العراق اقتصاديا و يوفر فرص اقتصادية عظيمة الى العراق والشركات العالمية لكونه يختصر مدة الشحن ويقلل كلفة النقل ويدر مردودات كبيرة الى العراق عن طريق الميناء والسكك الحديد.
تدارسنا الافكار الاولية لنقل الحجر المطلوب من جبل سنام لبناء جسم لسان البروز في البحر واكدت على ضرورة مساهمة الاستشاريين المطلوبين من البريطانيين ، الأعرف بالخليج ، والهولنديين الاعرف ببناء الموانئ البحرية .
بحثت كذلك في ما ظهر ثانية بالصحف المحلية في سنة 2010 عن المشروع ، وتفاصيل انشاء المشروع العظيم والافكار العديدة المطروحة للتنفيذ . اتضح ان وزارة النقل في سنة 2010 قد التزمت مع استشاريين ايطاليين لوضع تصاميم المشروع . وان وزير النقل شخصيا مهتم بمراحل الانشاء.
عليً ان اقول ان هذا المشروع الجبار لا يمكن ان يشيد ويعمل لصالح العراق كما نأمل ، مالم تؤخذ اطماع ومصالح دول الخليج ايضا بنظر الاعتبار ويشيد المشروع كاملا مع شبكة سكك الحديد والقطارات الناقلة للبضائع الى اوربا ، بالاتفاق مع مجموعة شركات عالمية بطريقة تمويل وتنفيذ ( تصميم / بناء / وتشغيل) وتكون للشركات حصة من الارباح لسنين محسوبة
حول استيطان الانسان في العراق
في عام 2014 القيت محاضرتين في نادي الصيد العراقي ، كانت الاولى حول (جذور الاستيطان في بلاد ما بين النهرين وبدايات انشاء البيت العراقي) ، تحدثت فيها عن المراحل التاريخية الاولى للاستيطان من سكنة الكهوف في الالف السادس قبل الميلاد بالقرب من مدينة السليمانية ، تم تطوير انتشار القرى حتى نشوء المدن السومرية وظهور المدن العراقية الاخرى ، وبداية ظهور البيوت البغدادية بأشكالها التراثية التقليدية.
بيوت المستقبل الخضراء
اما المحاضرة الثانية في نادي الصيد العراقي فقد تحدثت فيها عن التصاميم المستقبلية لأنشاء البيوت الخضراء التي ستكون صديقة للبيئة ومحصنة بيئياً من ناحية نفاذ الهواء من الخارج واليه ، لتكون نسبة استهلاك الكربون من جهة ، والاعتماد على استغلال الطاقة الشمسية من جهة اخرى ، وان هذه البيوت ستعتمد مستقبلاً لتقليل نسبة الكربون في الجو.

وفي القنوات الفضائية
انتشرت القنوات الفضائية في بغداد بعد 2003 ، وتعلق الفرد العراقي بالتلفزيون قدر ما يسمح له وقته . بدأت محطات التلفزيون تلح في طلباتها على ما تستطيع من المثقفين للتحدث والقاء الضوء على الامور المهمة التي تدور في المجتمع . بينت في بعض هذه اللقاءات التلفزيونية رأيي في العديد من القضايا التي تهم المجتمع مع اقتراح عدد من المشاريع التي ارى اهميتها في تطوير العراق ومساهمته في الاقتصاد العالمي .
ما دام العراق ومنذ مرحلة تصديره للنفط ، ارتبط اساسا بالاقتصاد العالمي ويكون النفط الجزء الكبير من وارداته بالعملة الصعبة , ارى ان ننفتح على الشركات الكبرى في تنفيذ مشاريعنا الاستراتيجية الكبرى كما فعلنا سابقا مع شركات النفط مع ملاحظة مصالحنا الاقتصادية . بحكم زيادة نفوس العراق وتوسع ما يتطلبه من خدمات شمالا وجنوبا وعدم استطاعة الدولة وحدها على تسديد هذه الكلف الباهظة ، فإني لا ارى ما يمنع من التعاقد المباشر مع الشركات الكبرى لتنفيذ مشاريعنا الاستراتيجية بإحدى الطرق العالمية المعروفة وعلى غرار ما تقوم به دول العالم ومنها المشاريع التي اتطرق اليها ،واني على ثقة ان هنالك طلباً ملحاً من دول العالم على الاتفاقات الاقتصادية المثمرة للأطراف .
سألتني في اذار 2014 قناة الرشيد الفضائية عن ما يدور في بالي من مشاريع كبرى وحول تطلعاتي عن مستقبل العراق اقتصاديا . بينت ان طموحاتي لبناء العراق تتحقق عن طريق مشاريع استراتيجية مهمة ان اردنا ان نكون جزءا مساهماً في تنمية الاقتصاد العالمي وتنمية العراق. واقترحت عدداً من الأفكار المستقبلية التي اؤمن انها ستضع العراق في محوره الصحيح اقتصاديا وهي :

تكوين منطقة حرة في شبه جزيرة الفاو
المنطقة هي من ميناء الفاو الكبير تمتد شمالا وحتى مدينة السيبة ، وغربا تمتد هذه المنطقة لتشمل المنطقة الصناعية لوزارة الصناعة وميناء ام قصر وخور الزبير وشرقا يكون حدودها شط العرب . مقوماتها ميناء الفاو الكبير وسكك الحديد العراقية التي ستكون مشابهة لنشاطات قناة السويس ومنافسة لها وادواتها جميع نشاطات ميناء الفاو الكبير من تسلم وخزن ونقل وشحن يوميا ملايين الاطنان من البضاعات التجارية عن طريق سكك الحديد الى تركيا واوربا .ومن مقوماتها جميع نشاطات ميناء الفاو الكبير في تسلم ونقل بحري لمعظم البضائع الواردة من اسيا الى اوربا وما تحتاج اليه من مئات الشركات العالمية الخاصة بالنقل البحري والتأمين الخ … نشاطات منشآت السكك لنقل ملايين البضائع الواردة من الشرق الاقصى والمتجهة الى اوربا حيث ستكون هذه محطة عالمية تحتاج لتشغيلها عدداً كبيراً من الوكلاء للشركات العالمية للنقل البحري والسكك . ومن مقومات المنطقة موانئ تصدير النفط ومشتقاته . مجموعة هذه المنشآت ستتطلب لإدارتها وتشغيلها عدداً كبيراً من الشركات العالمية حيث ستكون مكاتب ممثليها في شبه جزيرة الفاو بالاضافة الى مدينة البصرة . سيتطلب لتشغيل هذه المنشآت مئات الالوف من العمال بالاضافة الى العمال العراقيين . ستتطلب العمالة الأجنبية التي تستوردها الشركات نفسها، قرى لسكن هذه المجموعات من العمال والخدمات المطلوبة لراحتهم وستكون واقعة اما قريبة الى ميناء الفاو الكبير او على ضفاف شط العرب وهي المنطقة المناسبة بيئيا وعمليا . تشغيل هذه المنطقة لنقل ملايين الاطنان من البضاعات التجارية الى اوربا أو وسط أسيا سيتطلب العديد من الشركات المتخصصة لتقديم الخدمات التجارية والتي سيتطلب لإدارتها خبراء من مختلف انحاء العالم . كما اقترح تحفيز ودعوة الشركات العالمية لاستغلال المنطقة الحرة لتركيز صناعاتها وانتاجاتها , مستفيدة من الامتيازات التنافسية التي ستقدمها (سلطة شبه جزيرة الفاو الحرة) على غرار المنطقة الحرة في العقبة من الجوانب الضريبية والكمركية والعمالة واستغلال الأرض والتصدير والاستيراد . ستدعم مدينة البصرة بكل ما تحتويه من جامعات وعلم وفكر وعماله وعلوم وفنون ، نشاطات المنطقة الحرة وسكانها في متطلباتهم الصناعية والتجارية والحياتية والسياحية . بيئة شط العرب ستتطور لتكون منطقة سكنية متميزة تستفيد من الجوانب السياحية من أهوار وصحراء العراق . هذا المشروع سيوفر للعراق مدخولات قد يكون مقدارها بعد مدخولات مبيعات النفط ولكن كعملية اضافية , يستفاد من النشاطات العملية في شبه جزيرة الفاو , في مجالات تدريب وتطوير الجوانب التقنية والصناعية لمحافظة البصرة .
هذا المشروع ليس مشروعاً خيالياً او غير اقتصادي بل جدير بدراسة اقتصادياته لينفذ تدريجيا لإحياء البصرة اولا والعراق ثانيا , تم التفكير في تنفيذه منذ ثمانينات القرن العشرين .. ولأهميته القصوى , عملت دولة الكويت في 2011 على انشاء «ميناء الصباح الكبير» لفرص مماثلة , كما اعلنت دولة مصر في 2013 المباشرة بتشييد قناة موازية لقناة السويس لمضاعفه اعداد السفن العابرة للقناة تحسباً للمنافسة من التطورات المحتملة في الخليج العربي , كما اعلنت دولة اسرائيل عن انشاء خط سكة حديد يربط البحر الاحمر والبحر الابيض المتوسط متخصصه لتسلم البضاعة من ميناء ايلات ونقلها الى موانئ البحر المتوسط لتشحن الى اوربا .لا ادري متى يدرك سياسيو واقتصاديو العراق اهمية الوقت في تنفيذ المشاريع الكبرى التي تساهم في بناء اقتصاديات العراق.
توصيل انابيب النفط والغاز الى اوربا
المشروع الآخر الذي اقترحته هو الاسراع بمد الأنابيب لتصدير النفط والغاز الى اوربا ، بشكل مباشر عبر سوريا وتركيا وحتى اوربا. اوربا تحتاج الى بديل ، يوفر لها الطاقة كالنفط والغاز بخطوط موازيه الى ما تستورده من روسيا ، هذا مشروع جبار كذلك يربط العراق بشكل مباشرة اقتصاديا ، مع العالم ويضعه في موقع عالمي افضل.
سبق ان استغربت جدا لماذا لا يفكر اقتصاديونا وسياسيونا بشكل كبير والمساهمة في بناء مشاريع عملاقة فيها صالح للعراق. نفط العراق يمكن ان يصدر الى اوربا في ضوء ما عملت عليه شركة نفط العراق من مد انابيب النفط الى موانئ البحر الابيض المتوسط قبل ثمانين سنة … تتسابق الآن جمهورية كازخستان وقطر على مد انابيب الغاز الى اوربا … الاولى عن طريق البحر الاسود واوربا والثانية عن طريق العراق وسوريا وعبر الابيض المتوسط الى اوربا .لا يوجد مستحيل من الناحية الهندسية ولكن يتطلب ان تنظر الى مستقبل العراق بحكمة ودبلوماسية في علاقتنا الدولية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة