الأخبار العاجلة

الإقصاء الثقافي

سلام مكي

الاختلاف، مدينة الاقصاء. فكلما وجد اختلاف بين ثقافتين أو أكثر، نجد ثمة إقصاء للآخر. والاختلاف، يأتي متى ما جاء جديد، سواء كان دينا، عرفا، ثقافة.. وقد نعطي مبررات لأتباع الأديان في إقصاء الآخر، كونهم يستندون في إقصاء الآخر على نصوص دينية أو فقهية، تدعوهم لذلك الفعل. كذلك في الأعراف الاجتماعية، فإن من يأتي بعرف جديد، سيكون عرضة للإقصاء من قبل المجتمع الذي يرى في العرف الجديد، تهديدا لأعرافهم التي عاشوا وتربوا تحت ظلالها. لكن فيما يتعلق بالثقافة، يفترض أن الاختلاف، لا يؤدي الى الاقصاء، بل إلى مزيد من الاغناء المعرفي والثقافي، وصولا الى مرحلة التعايش الثقافي، ذلك أن من مميزات الثقافة، أنها تستوعب الجميع، وتقف على مسافة واحدة مع جميع الآراء والأفكار والمعتقدات. ترى الثقافة أن الحقيقة ملك للجميع، ومن يستأثر بها وحده، فهو أبعد ما يكون عن الثقافة. وعندما نعود الى عدد من كتب النقد والأدب، خصوصا تلك التي كتبها نقاد وبلاغيون من الرعيل الأول والذي يمثل عماد الأدب، نجد ثمة إقصاء كبير للمختلف معهم. ليس إقصاءً فحسب، وإنما محاولة لرمي الآخر في البحر، لمجرد أنه يملك رؤية تختلف عن رؤية هذا الناقد أو البلاغي. ومرد ذلك أن العقيدة السياسية والايديولوجية هي المحرك والباعث لكتابات من هذا النوع. فمتى ما رأى الكاتب أو الناقد أن نصا أدبيا، يتقاطع مع عقيدته السياسية أو حتى الدينية، سوف يقرر بأن ذلك النص سيء، وغير جدير بالاهتمام، وعلى الجميع إخراج النص وصاحبه من مملكة الأدب. المقام، يستدعي ذكر مثال على كلامنا، هو كتاب د. عز الدين اسماعيل ” التجديد في الشعر الحديث” . الدكتور عز الدين، يرى أنه لا غنى عن الموسيقى والايقاع في الشعر. والكلام الخالي من الوزن والقافية ليس شعرا مطلقا. وهذا رأيه الخاص، وهو محترم. بالمقابل، عندما يتحدث عن الجيل الشعري الذي جاء بعد جيل الرواد، وهو جيل الستينيين، يقول: وكان الرواد يهتمون باللغة العربية لأصالتهم الفكرية وقاعدتهم العربية الأصيلة… ثم جاء جيل هوى وأسف وظن الشعر هو الغموض والفوضى وتسطير الألفاظ. وولج ميدان الشعر جمهور من المتشاعرين اساءوا لأنفسهم وللتجديد.. ويضيف: كان الأوائل يحرصون على أصالة التراث، ويحافظون على الذوق الفني، وجاء جيل استعجل النظم، ووجد من ينشر له هذا الهراء!! الدكتور هنا، يرى أن تجارب الشعراء العراقيين منذ الستينيات ولحد اليوم، هراء! أي لا قيمة لها، والسبب أنها ابتعدت عن الوزن والقافية! لأن الوزن والقافية، أو الموسيقى كما ينقل رأيا، بغيرها يخرج الشعر عن عمله، لأن الموسيقى وحدها” تمكن ألفاظ الشعر من تعدي عالم الوعي والوصول الى العالم الذي يتجاوز حدود الوعي التي تقف دونها الألفاظ المنثورة”. 

إن هذا الرأي الذي يتبناه اسماعيل، والذي نقله دون ذكر صاحبه، سوى” قضية الشعر الجديد….” له مقام آخر، وما يهمنا هو إقصاء الآخر، الذي يرى أن الشعر أكثر سعة وتصورا من الكلام المقيد بأوزان الخليل. ولا نعلم، هل من أصول الثقافة إقصاء الآخر بهذه الطريقة؟ هل إن وصف تجارب مهمة وكبيرة، ساهمت إلى حد كبير بإغناء المشهد الشعري العراقي والعربي، وخطّت طريقا سار عليه شعراء جاؤوا من بعدهم، نقول عنها هراء! ومثلما توفرت مبررات للدكتور عز الدين ولغيره ممن يتفقون معه بالرأي، فإن أصحاب الرأي الآخر، أيضا توفرت لهم مبررات ليؤمنوا بما آمنوا به. فمن غير المنطقي أن يقصى طرف ويوصف بأوصاف بشعة وفادحة، لمجرد الاختلاف!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة