الأخبار العاجلة

2019 عام الإحتجاج الشعبي وآفاقه

اسماعيل زاير

عام عجيب هذا الذي مضى علينا فقد كان عام 2019 مفعماً بالاحداث المثيرة والفعاليات المكثفة التي كنا نظن انها غادرتنا الى النسيان خاصة بعد الحملات المكثفة لدول عربية على شيطنة الربيع العربي وتخوينه دفاعاً عن دكتاتورياتنا التي ترغب في تأبيد وجودها وسلطاتها .
وعنوان تلك الفعاليات والاحداث هو الإحتجاجات المديدة على امتداد القارات المسكونة رفضاً للأمر الواقع ولسياسات الدول المختلفة وتأكيداً على شرط الحرية الوجودي المقدس . طبعاً في بلدنا العراق ، هذا البلد المنكوب بسلطات حكام شعارهم ” ما ننطيها ” ، التظاهر والاحتجاجات صارت خبز الناس ووظيفة الملايين من المواطنين الذين استأنسوا في الحضن الدافئ لما يشبه الثورة الاجتماعية وواصلوا تحديهم لأحزاب العبث بالبلاد ومصائر العباد المنزوعي السلاح والمال . والامر كذلك في انتفاضات شملت لبنان والاردن وتونس والجزائر ومصر وفلسطين الجريحة . وفي الغرب الامر كذلك في فرنسا والمانيا واسبانيا وروسيا والولايات المتحدة والمكسيك وفنزويلا ناهيكم عن احتجاجات هونغ كونك والهند وماليزيا وغيرها .
ومن البدبهي ان يشعر الناس بالفخر نتيجة عودة الثقة بالنفس والحياة النشطة الجديدة لجسد الوطن المشلول . خاصة بعد عقود عقيمة لم تمسها الروح النابضة بالتمرد لدى الشعوب واستأسد خلالها رجال الشرطة والعسس والخونة من الشرائح المنفلتة من التاريخ والجغرافية .
وعلى عكس الممثلين التقليديين للشرائح المذكورة أنفاً فالمنتمون الى تيار الإحتجاجات الحالية ، لا سيما في العراق ، هم في الغالبية من ابناء الطبقات الاكثر فقراً والاقل تحصيلاً دراسياً والاقل عمراً مما يسمح القول بناء على ذلك انهم من ذوي التجربة السياسية الفقيرة او بالاحرى المنعدمة ، كما يتميز المحتجون العراقيون بكونهم من شريحة طائفية هي الشيعة مع استثناءات قليلة ، بينما ينحدر مظاهرو لبنان من تجمعات وطبقات وطوائف مختلفة ومتنوعة يجمع بينها شعور مشترك بالظلم والفساد والإفقار اكثر تجذراً ووضوحاً . وسنلخص في الفقرات التالية بعض الملامح الاساسية لتيار الاحتجاجت مركزين على الأنموذج العراقي الذي يشبه بشكل كبير نظائره في البلدان الاخرى .

ثورة من دون قيادة
ويجمع ايضاً تيار الإحتجاجات سمة مميزة وجديدة في تأريخ التظاهرات هي غياب القيادة السياسية والاجتماعية للتظاهرات بل الإصرار على رفض الدعوات الموجهة لهم من اطراف عديدة بما في ذلك اطراف تدعمهم وتساندهم . بل ان الكثير ممن عبر عن تضامنه وتشجيعه وقدم نصائحه العديدة لهم ومن باب الحرص اضطروا الى القول انهم انما يقومون بذلك دون ان يمثلوا الحراك الإحتجاجي .
وبرزت في صفوف المحتجين سمات عدوانية ومتشنجه تجاه كل من اقترح انه يشمل ولو بشكل مباشر هذا الحراك او ذاك . هذا الامر ملاحظ في العراق ولبنان والجزائر حيث لا تزال حركة الإحتجاج قوية ومستمرة . ويقطع ، هذا الموقف ، الطريق على المضي في الخطوة اللاحقة والضرورية ، انما الغائبة ، لكل ثورة شعبية احتجاجية مألوفة او متعارف عليها في تنصيب قيادة للتيار . فالحكومات في بلدان الإحتجاجات تعبر عن رغبتها الملحة في بلورة مطالب وممثلين محددين وواضحين للحراك كي يتسنى لها التواصل معهم والتفاعل مع مطالبهم واهدلفهم . ويقف مؤيدو الحراك الشعبي عاجزين على هامش المسارات التي تسلكها الإحتجاجات بطريقة عشوائية ومن دون تخطيط او دراية ، حتى الآن في الاقل ، لا تساعد هؤلاء الانصار على تقديم المساعدة او المعونة اللازمة والضرورية للمتظاهرين .
ويبدو اصحاب التظاهر احياناً متأخرين عن المسار العام للحكومة التي تتخذ قراراتها وردود افعالها في ظل انقطاع الصلة مع اهل القرار الإحتجاجي او من يمثلهم . ولعل ابرز خلل هنا هو مسار تلبية المطالب المعلنة ما حصل وما يحصل الأن في العراق والجزائر حيث يجري اختيار الحكومات الجديدة او التحضير لها من دون مواقف او مقاييس واضحة لتطلعات المحتجين .
ان غياب قيادة منتقاة لتيار الإحتجاجات امر هام كما تجمع الاطراف المتابعة واللاعبون المندمجون في الحال السياسية الراهنة . وفيما يعتقد ان الطبيعة المختلطة للتيار الحراكي تؤثر بشكل كبير في تغييب هوية او وجهة الحراك وتمنع ارتقاء فعالية الإحتجاج الى مستوى اعلى ، اللهم الا اذا اعتبرناها ذات طبيعة فوضوية .

الشارع والمناخ الإحتجاجي
والمتابع النشط لحركة الإحتجاج يلمس تمنعاً داخلياً تعبر عنه اللافتات المرفوعة وسط الساحات يمكنه القول انها احتجاجات غضب تلقائية على واقع غير مقبول لاداء الحكومات واحزابها . ومع ان قرائن تيار الإحتجاج من امثلة قريبة او بعيدة شهدت تبلور مطالب محددة او وعياً ملموساً لم تعقه شعبوية الحراك كما في حال احتجاجاتنا الراهنة الا ان مضي اشهر على النشاط الحراكي المستمر وثباتاُ على الموقف من السلطة لجهة عدم التصالح معها يشير الى ان السمة الغالبة هي وضوح رد الفعل القوي على رد الدولة والمؤسسات العنفية التي تحتويها مؤسسة الاحزاب وميليشيات تابعة لها .
وقد دفع المحتجون حتى هذه الايام ثمناً باهضاً نتيجة ذلك تمثل في الاف الضحايا والقتلى مع غياباو ضعف الموقف الحكومي . واذا تحدثنا عن العراق يمكننا القول ان غياب الموقف وتردد الحكومة وربما تغاضيها عن القتلة والمجرمين المسلحين الذين فتكوا بشكل متواصل بسلمية الظاهرة انما يعد تحدياً خطيراً يواجهه المتظاهرون يهدد في نهاية المطاف مجمل تطلعاتهم بل يمس مصير الحراك في النهاية .
هذا هو الشارع اذاً ! حركة فعالة وتحد للسلطات الحاكمة وطاقة متوفرة لا تنضب بسرعة ولكننا نلحظ ايضاً انها حقيقة تبدد طاقة الإحتجاج وتضعف عنفوانه وسلميته وشجاعته وقد تفضي الى احداث تخلخل في بنية الحراك غير المكتملة وغير المدروسة والمفتقدة لقيادة تواكب التطورات وتضع لها خيارات مناسبة لشباب الحراك .
ولا ننسى ان العدو الذي يقف بمواجهة المتظاهرين لا يزال يمسك بزمام المبادرة ويتمتع بكل طاقته ولم تعرضه الاحتجاجات الى الضعف او الهلع .
هذه القوى المضادة لديها من يدعمها داخل مؤسسات الدولة ، وان كان بشكل غير معلن او مباشر ، كما تتمتع بدعم دول اقليمية لا ترغب برؤية الحراك اصلاً ولا ترحب وهي تؤمن بأن الصد العنيف للتظاهرات هو الخيار الوحيد كما رأينا لدى الجارة ايران . فيما نرى ان تيار الإحتجاجات العراقي يعيد التأكيد على سلميته اولاً وعلى استقلاليته عن اي تيار محلي او دولي . وقد يأتي الوقت لتتلقف ميليشيات الضد لحظة محددة يبلغ فيها ضعف الإحتجاج وربما انقسامه ، لتفتك به خاصة العراق في حال من انعدام الوزن وغياب سلطة القرار وتهافت نشاط المؤسستين الباقيتين مجلس النواب ورئاسة الجمهورية .
اما المناخ العام الذي يحيط بالحراك ويعلن حمايته ودعمه لفظياً فهو واسع للغاية ويمكن لو تمكن الحراك من تأطير نفسه والإندماج مع هذا المناخ ، ان يكون اكثر فعاية وذا مستقبل افضل . ويتجسد موقف المناخ العام في المسعى الإعلامي المؤيد للحراك والداعم له . ولكن اخطر ما يمكن ملاحظته هو انغماس مجموعات اليسار العراقي المتواجدة مع المتظاهرين الذين يشجعون الحراك على عدم اختيار قيادة له لتعبر عن تقلبات الوضع العراقي المتقلب والمتحرك .
كما يظهر بين الحراكيين ميل لجذب الجيش وقياداته الى فكرة الإنقلاب العسكري وارسالهم رسائل الى الرموز المحبوبة شعبياً من جنرات الجيش الذين يحضون بسمعة ممتازة وشجاعة في دحرهم لـ ” داعش ” يشجعونهم على تولي الامر تضامناً مع المتظاهرين .
وهذه دعوة خطرة تتسم بقصر النظر وغياب الوعي السياسي ، بل هي برهان على ضحالة المستوى السياسي لبعض المتظاهرين كما قلنا .
وبصدد المناخ الوطني العام يطفح شعور طاغ بالرغبة في حماية المتظاهرين على الرغم من النواقص والخلل الموجود وهذا ما يجري التعبير عنه على اكثر من صعيد .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة