الأخبار العاجلة

رجال ووقائع في الميزان

يرسم الراحل جرجيس فتح الله أفقاً فكرياً وسياسياً نادر المثال فهو بهذا العمل يتطرق إلى زوايا وأحداث وشخصيات كان لها أدوارها المميزة سلباً وإيجاباً في التاريخ العراقي. ومما يلفت النظر في هذه النصوص التي وردت في كتاب رجال ووقائع في الميزان أنها أضاءت بنحو دقيق لحظات وأحداثاً ومسالك فكرية وشخصية وثقافية وتاريخية لم يتطرق إليها احد قط.
“الصباح الجديد” تقدم قسطاً وافراً من هذه الإضاءات كما وردت على لسانه لجمهور لم يطلع عليها في السابق بمعزل عن عمق ثقافة هذا الجمهور او صلته بالسياسة العامة. إنها ليست أفكاراً فحسب وإنما هي شهادات تنطوي على نبوءات مثيرة للدهشة عن اثر المناهج والأيديولوجيات والشهادات التاريخية السابقة للأشخاص الذي يجري الحديث عنهم ويسهم الراحل جرجيس فتح الله في تصحيح الكثير من المواقف والتصورات والوثائق السياسية المرافقة لمواضيع الحديث. كما ان أفكار السيد فتح الله تستكمل في أحيان كثيرة ما كان نصاً لم يكتمل في الماضي. إننا من دواعي الاحترام والتبجيل لهذه الشخصية النادرة نسطر عدداً من هذه الأفكار في الكتاب المذكور” رجال ووقائع في الميزان”.
الحلقة 37

حوارات مع جرجيس فتح الله*

كانت طبقة الوجهاء وذوو المصالح الكبيرة من اهل المدينة قد خلقت من ذات نفسها ثلة سميناها على سبيل الدعابة والمزاح ب (جواقة المحطة ) بحرص من افرادها على الحضور في محطة القطار للسلام ترحيبا بالمسؤول الكبير او توديعا له تقربا منه وهي عادة وجدت اصولها منذ العهد العثماني كوسيلة للتقرب من الولاة الجدد ابتغاء الحظوة وليكونوا له الاذن التي تسمع والعين التي ترى . تراهم يتقاطرون جماعات متراصة ليستقبلوا مركبته قبل دخوله المدينة بمسافة او السيارة التي تقله وهي منتصف الطريق . وفي الزمن الذي امتدت السكة الحديد الى المدينة تجدهم على رصيف المحطة ينتظرون القادم ليتسابقوا الى مصافحة والترحيب به لم اكن على وفاق مع افراد هذه (الجوقة )مطلقا . ولم يكن بينهم وبيني حبا مفقودا ولطالما مالهم الجريدة بدعابات وفكاهات . وقدم (سعيد القزاز ) وباشر وظيفته بعد ان استقبله الجوق كالعادة فحاوطوا به ودخلوا تحت ابطه كما في المثل الدارج وكادوا يعزلونه ردحا من الزمن .
ومرت اسابيع ثم حصلت مناسبة افتتاح متحف الموصل واقبل الوزير (خليل كنة ) ممثلا للحكومة . وحضرها (سعيد القزاز ) بحكم منصبه مشرفا . وفي اليوم الثاني نشرت وصفا للمناسبة بقلمي في الجريدة . وفيها هذه العبارة ” وشوهد متصرف اللواء السيد سعيد القزاز دائم النشاط والحيوية ينتقل بين المدعوين متلطفا مجاملا كالنحلة الذؤوب ” او شيئا من هذا القبيل .
في اليوم التالي على صدور الصحيفة . ابلغني مدير المطبعة وانا اقلب بريد اليوم بأن (المتصرف ) سأل عني مرتين وهو يطلب حضوري انهيت فحص بريد , وتوجهت نحو بناية المتصرفية فادخلت اليه فوارا وانا خال الذهن تماما من الغرض لاستقدامي .
ووجدت زائرين هناك . هما العقيد الركن ( عمر علي ) وقد عرفته ايام كنت مدعيا عاما عسكريا في الحامية . وصرنا نتزاور بعدها . وثانيهما مدير الشرطة الجديد واسمه (علي غالب ) على ما تخطر . بادرني (سعد القزاز ) دون ان يرد على تحيتي او يأذن لي بالجلوس قائلا بلهجة غاضبة متعالية استفزتني فعلا:” ماذا تقصد حضرتك من تشبيهي بالنحلة ؟ اما تراني اضخم قليلا منها ؟ لماذا تتعمد اهانتي وانت لاتعرفني وانا اجهل من انت ؟” اجبت بكل ما قدرت على جمعه من هدوء وقد ادركت المكيدة المنصوبة ” هذا ايها السيد المتصرف تشبيه عربي جميل يقصد به الثناء لا القدح وربما اشكل عليكم فهم المقصود به فانا في هذا الحال احتكم الى العلماء اللغة عندنا وهم كثيرون . وعند بقاء الشك عالقا , فهناك القضاء يحكم بينا “.
والظاهر كما بدا لي انه اعتبر ردي تعريضا به وبجهله اللغة العربية لوقع كرديته . هذا ما تراءى لي عندما رد بانفعال شديد . ” ما حاجتي الى العلماء والمحاكم لو شئت لانتقمت منك على الطريقة الشعبية ” وغمض علي القصد ولم اكن ادري وقتذاك مقدار ما تنطوي عليه هذه العبارة من تهديد . وبمزيد من الخيبة العظمى والغيظ الشديد سلمت عليه وانسحبت منتهزا فرصة توجيه حديثة الى الزائرين . وانا اقول “ذلك هو جزائي على حسن القول ؟ انتم احرار فيما تشاؤون ” وخرجت . وفيما انا اهبط الدرج سمعت وقع خطوات فالتفت لاجد زائري المتصرف يسعيان ورائي ولبرهة خطر ببالي ان مدير الشرطة سيهم باتخاذ إجراءات ضدي . الا انه لم يبد شيئا من ذلك وانما كان قد ختما زيارتهما توقفت وخاطبت العقيد عمر علي معاتبا موقفه , فأجاب انهما كانا زائرين ولا يعرفان شيئا عن المسألة وقد فوجئا بحضوري . ثم عقب عمر علي قائلا ” انك أيضا لم تقصر معه. ما هكذا يواجه رجل مثله”.
خرجت وفي نفسي خيبة امل كبيرة وعتبت في سري على صديقي (علي حسين الاحمد) لرسمه صورة مغلوطة وقصص تحادثني مع القزاز على بعض المعارف والاصدقاء ومرت ايام قلائل كدت فيها انسى المقابلة وتأثيرها
واذا بي يوما افاجأ بتلفون – وانا في غرفة المحامين بالمحاكم – من مدير تحرير اللواء بطلب مني الحضور اليه وكان من اصدقائي , فتشخصت اليه ولا فكرة لدي عما يريد مني وكان بينه وبين مكتب المتصرف باب داخلي . اقراني السلام ولم يسمح لي بجلسه كالعادة بل نهض وقادني الى الباب المقضي لمكتب المتصرف .
نهض سعيد القزاز تاركا مكتبه ليستقبلني مادا يد المصافحة ثم قال مشيرا الى اثنين من اصدقائي واصدقائه هما الدكتور كشمولة رئيس صحة اللوء والدكتور خضر فندقلي طبيب صحة المعارف :
اريد ان اقدم لك اعتذاري عما ابد مني ,فقد كنت مخطئا . ولئلا يروح بك الظن ان سعيد القزاز يخشى الاعتراف بخطئه علنا فقد طلبت من صديقيك هذين الحضور لأقوم بذلك امامهما .
اسأت الظن بحكمك عليه ياصديقي (علي ) . فقد كان سعيد القزاز حقا وجلا من طراز خاص , او بحسب تعبيرك رحمك الله “رجل من طراز اخر ” وكانت فاتحة لعلاقة ود حقيقي بكل صفحاتها الطريفة . بقيت تحتل مكانه في نفسي لا تعلو عليها مكانة . وبادلني القزاز اطمئنانا باطمئنان بصرف النظر عن فارق السن الكبير فقد ناهز الثامنة والاربعين انذاك ولم اكد انا اتخطى الثلاثين , كان يحادثني ويفضي الي بكثير مما يكتمه عن غيري وانا من جهتي حاولت تمتين صلتي به عن طريق الاشادة بالاعمال المشهودة التي انجزت على يده اثناء وجوده بالموصل . واظنه كان راضيا بموقفي هذا اتم رضا فقد اكتشفت فيه بوقت وجيز جدا نفره من حب التظاهر والمديح على صفحات الجرائد والاشادة بالمنجزات والمآثر وتميز ببساطة في العلاقات وانفتاح طبيعي على الناس البسطاء وكان اسبق من غيره من الحكام بالنأي عن “جوقة المحطة ” الميامين . وقد انفضوا من حوله بعد ان يئسوا من تدجينه كما فعلوا الاخرين .
اودع الي ذات مرة طائفة كبيرة من الدعاوى التي اقيمت على وزارة المالية بخصوص اراض زراعية شاسعة في مناطق جنوب سنجار وشمال الشرقاط . قال لي بالحرف الواحد واحدة من المقاطعات الكبيرة التي تزيد مساحتها عن عشرات الالوف من الدونمات وتعرف بأراضي “جميلة الجزيرة ” وكان شيوخ شمر ينازعون الحكومة فيعا : قال : ” انا اعلم جيداً ان الاجور الرسمية التي تصرفها الوزارة للمحامين هي اجور مقطوعة زهيدة جداً , وانا لااملك رفعها فلسا واحدا لكني اريد وهي رغبتي الخاصة ان تكون انت المدافع عن حقوق وزارة المالية في هذه الاراضي . لقد طفت فيها يوماً كاملا . وهي اراض زراعية غنية ومن الحيف ان تقع بيد محام مهمل ليقدمها هدية لإقطاعيين . قد تأتي الايام بحكومة اصلح من هذه الحكومات . لنقوم بتوزيع امثالها وهي ملك لها وبيدها رقبتها . فمن الصعب جدا انتزاعها من يد الاقطاعيين . انت تعلم اني من اهلي السليمانية . واعرف كم جر الاقطاع على الاهالي من مآس “.
لم يكن القزاز في حاجة الى الكثير لإقناعي بقبول الوكالة . وما من شك في انه اطلع بحكم منصبه على تقارير الشرطة السرية عني . ولاسيما تعقيبات العام 1948 التي افضت بي الى المجلس العرفي العسكري . وقبلها ايضا بايام كنت معتمدا لحزب الشعب في اللواء وما الى ذلك .
كان يعلم مثلا زياراتي لسجن الموصل حيث اودع كل من صادق ابن الشيخ بايو البارزاني . وعبيدالله ابن ملا مصطفى . حيث ارتوي ان يكون السجن (منزل ) الابعاد او الاقامة جبرية وثيل قبل مجيئه كانت قد رفعت عني المراقبة السرية , لكنها عادت بسبب زيارتي هذه فأعلمته بالامر واتصل بمدير شرطة بمحضر مني وطالبه بالكف . فأجاب مدير تلك هي تعليمات وزارة الداخلية وعلينا مراقبة من يتصل بها فسمعته يرد قائلا وهو ما ملائي دهشة :”قل للوزير ان لي وحدي ان إقرار ذلك” . ولم اعد بعدها ارى من يتعقبني .
اجل قبلت الوكالة منه . وواجهت في هذه الدعوة الخطيرة –وفي غيرها . طاقما من ابرع المحامين . لا ادري ماذا كانت نتيجتها فالنظر في امثالها قد يمتد سنوت وقد ارغمتني على تركها تلك المتاعب والمشكلات التي واجهتني في عهد عبد الكريم قاسم من مطاردة واختفاء وتوقيف وابعاد والانتقال الى بغداد . لا ادري مأتم من شأنها واعتقد انها وقعت اخر المطاف في احضان قانون الاصلاع الزراعي .

*اجرى الحوارات السيدان مؤيد طيب وسعيد يحيى والكتاب من منشورات دار أراس للطباعة والنشر، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2012

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة