الأخبار العاجلة

الدكتاتور فنّاناً

كتاب “الصباح الجديد” عن تأريخ لم يطوَ(الدكتاتور فنانا) لرياض رمزي
الحلقة 7
هل يمكنك أن تقرأ طوال خمسين سنة، وتعبّ مئات الروايات والمخطوطات ودواوين الشعر وكتب علم الاجتماع والدراسات المستقبلية، وأن تصبر على إكمال قراءة مجلد موبي ديك العقد والمتشابك، وتفكك خطب صدام حسين ومؤلفات اسحاق دويتشر وبرزان التكريتي والمركيز دي ساد ونيتشة وأمهات كتب التراث، بثلاث لغات حية، العربية والإنكيزية والروسية ثم تؤلف كتابا واحدا لا تتجاوز صفحاته على المائة والأربعين صفحة عن شخصية صدام حسين هي خلاصة كل ما قرأتَ وتأملتَ، إذ يتدحرج الفنان الدكتاتور، أو الدكتاتور الذي تفنن في تدمير كل من ألقاه حظه العاثر في طريقه، وتجبر على الله ومخلوقاته، وانتهى مثل هذه الأيام، قبل أربعة عشر عاما، الى خارج المعادلة بعد أن تسببت حماقاته في كل ما حل بالعراق من كوارث.
يقول الكاتب رياض رمزي في مقدمة كتابه (الدكتاتور فنانا)
بالرغم من أن العراقيين، على عكس الشعوب الأخرى، لا يعدون ظاهرة العنف حالة طارئة في تأريخهم، فأنهم مع اطراد الكوارث المفجعة كثيراً ما يتساءلون : أي لعنة خيمت عليهم ؟ وأي جريمة اقترفوها كي تسير الحياة السياسية لديهم يدا بيد مع القتل؟ما هو سبب هذه التراجيديا التي بدأت تقود الى اعتقاد سطحي لدى البعض يتمثل في تسمية مبسطة يطلق عليها عادة “سوء الطالع ” هل هو التأريخ الطويل للقتل السياسي أم أرواح شريرة سكنت هذه الأرض؟
محاولة تفكيك الظنون المبكرة للطفل الذي صار دكتاتوراً وقاتلاً بامتياز.. حرب إيران الكارثية بالنسبة لصدام.. ذكريات مسلية
محاولة تفكيك الظنون المبكرة للطفل الذي صار دكتاتوراً وقاتلاً بامتياز
حرب ايران الكارثية بالنسبة لصدام.. ذكريات مسلية
اذا ما كان لدى من تزوده الطبيعة بإشراقات مزاجية ، ارث طفولي مر ،واذا ما حصل في وقت لاحق على كتب تاريخ رخيصة ، واذا ما تحلقت حوله مجموعة أخرى لديها رغبة في الانتقام ، فيجب الا نتوقع من هذه كلها ، غير الخراب وإشعال الحرائق . . مامن عجائب في السلوك البشري . هنالك احقاد تتخمر سبع سنين ، وما ان تظهر الى العلن حتى يحدث الاستثنائي وتبعا للمحكمة الجزويتية” اعطني الطفل في سنواته السبع الاولى اعطك شكل الرجل الذي سيكون عليه “. يطلق على هؤلاء تسمية ” الرجال الذين تتحول ذاتهم الى مركز للكون ” . لديهم الكثير من الوقت لمداراة غيظهم بالطريقة نفسها التي يقف فيها فنان قبالة حامل الرسم ليبتكر لوحة ، فيزيل ويضيف الى الصورة تفصيلات وفقاً لومضات خيالية . لدى هؤلاء كما لدى كل فنان محترف ، صلابة عقلية لا تراودها الشكوك في صحة مواضيعها .
اول كلمة وردت في السيرة الذاتية التي كتبها له امير اسكندر في الصحراء . انها سيرة رجل متوحد من البراري الفسيحة ، يعتقد انه مركز الكون ، ويحتفظ بخيالاته مدة اطول ، مبالغا في زخرفتها ، مفحما من قدرات ذهنه على استحضار الاستثنائي مادام لا احد يعكر صفو رؤيته او يثنيه عن الاستغراق في اللعب بخيالاته . فصورته على غلاف كتاب السيرة ، التي يتعذر القول انها خطرت له هكذا ، وبكل بساطة ، وهو يوجه تحيات الى الاعالي ، تدل على سمو خيالات بطله . فما يقع في مجال رؤيته يجعلنا نوقن ان لاحد لديه فكرة عما سيفعله ، لأنه غير عابئ بما يحدث على الارض . انه نوع من الاخطار الموجه الى الرائي عن مدى اهمية طموحاته كاله اسطوري يقرأ طالعه في النجوم ، متمثلا بقول المتنبي : اذا غامرت في شرف مروم /فلا تقنع بما دون النجوم .
ماهو شكل الادمان لدى طفل في القرية ؟ الكلام مع النفس ، ورواية القصص الخيالية لها .
القصص اهم عمل بشري . ملايين البشر يستمعون الى قصة، يسردون واحدة او يقرأونها . انها اول طلب يريده الطفل قبل ان ينام .
لماذا ينخرط الجميع في هذا النشاط ؟ لتلبية حاجة بشرية مهمة : الحصول على الصورة بحسب ريجيس دوبريه ، اكثر عدوى من الكتابة . فالاديان . والثورات، في رأيه ، انتشرت على شكل صور قبل ان تنتظم في مجموعة افكار . مايأسر المستمع في الحكاية هو الصورة لا الانجازات اللغوية . طلب احد اباطرة الصين من رسام بلاطه ازالة صورة الشلال الذي رسمه على الجدار لأن وقع الماء يمنعه من النوم . تتجلى القوة الانجازية للصورة في تحول الصورة المتخيلة الى واقع فعلي ، فتمسي الجملتان التاليتان صحيحتين : انني اصدق اوهامي ، ان اوهامي حقائق . اي ان الذي يطارد الصورة يصبح هو طريدها . الذي يروي حكاية يتحول الى مطارد من الحكاية . انه يتماثل مع رجل الصورة ، مع صورة البطل فلا يستبين هل هو البطل ، ام البطل هو. تقوده شخصيته الروائية نفسها في نوع سباق للحاق بالصورة . من يروي روايات لنفسه ويخضع لشخصيات روايته انما هو حسي يعاني احتدام الرؤى والصور في راسه ، ولا يمكنه الاحتفاظ بها طويلا . ان لم يفلح في اخراجها فسيحدث أثرا شبيهاً بما يحدثه الدود في برميل الخل . على غرار جميع المدمنين الذين ينجذبون نحو عاداتهم التي تكافئهم بالراحة ، عليهم ان يأخذوا احلامهم على محمل الجد ، والا تعرضوا لفصام الشخصية ، الذي يؤدي الى الجنون . هذا هو الطريق المفضي الى تصديق الاحلام . كذلك يحيا المرء في امان مع نفسه ، يجب ان يضع تصديق اوهامه فوق كل اعتبار ، والا فان توتراته الداخلية ستجعله مثل سائر في حقل الغام في بلاد عدوة . ينبغي ان ينخرط في فعل يسمح لفيض توتراته الداخلية بالمرور في مسارب تدرأ عنه غائلة الجنون .
يحدث هذا لكل من تعرض لازمة في طفولته جعلته غير قادر على العيش من دون توتر . انه مثل نبات ينكمش ، فيصفر ويذبل ان لم يغذه سماد الرعب . يصيب غياب الموضوع وتشتت الذهن ارادته بالوهن . علية ان يعيش حالة حرجة كي يجبر طاقته على التقشف
وهو يتصدى للأخطار يوجهها نحو هدف معين مثل مرأة بؤرية يركز الاشعة في داخلها ويصوبها نحو نقطة يحرق فيها اعدائه ينبغي له ان يعيش على حافة الخطر كي يكون قادرا على اشعال حريق او اجتراح فعل عنيف وانتقامي يجلو بواسطته روحه الملآى بالمرارات . يعيش الافراد (الذين تعنفهم ذكرياتهم يوميا على ما يسمى حد السكين انهم بحاجة للعيش قرب موقع الخطر للشعور بان لديهم حياة عندما اغتصبت جوستين في “رباعية الاسكندرية ” للورنس دوريل وهي طفلة حاولت تجاوز تلك التجربة والتخلص منها بالاقتراب من مرحلة الخطر كي تستثار رغباتها . يضع هذا النوع من الاشخاص قدما في الواقع واخرى في ارض الخيال . ومع توالي نجاحاتهم يشعرون بانهم اكثر صحة وعافية عندما يكونون في تلك المنطقة الرمادية بين الواقع والخيال . لا ينتج اذن الفرد لنفسه حكاية كي يتسلى بها او يخفف من حدة الامه فحسب بل يعيد انتاج نفسه من خلال الحكاية . اننا ضحايا قصصنا واسراها يقع المرء في غرام بطل حكايته ومن كثرة ترديده الحكاية يغدو الواقع مختلطا عليه لا يعلم هل ما يحكيه لنفسه هو حكاية ام واقع .
هنا يشترك الروائيون والرجال التاريخيون او رجال الدولة في الصفة نفسها انهم ضحايا ابطالهم واسراهم . الروائي ورجل التاريخ يؤلفان لنفسيهما ويطالبان الاخرين بتصديقهما . ولكنهما يختلفان في موقفهما من احلام يقظتهما الاول يمارس سلطته على احلامه والثاني تمارس احلامه سلطتها عليه به. بهذه الطريقة. يعمل كل منهما بحسب موقعه من حلمه الاول يحول احلامه الى واقع عبر الكتابة والثاني عبر البحث عن سلطة . هكذا هي الحال فنحن عندما نقرأ الاول نتمتع بواقع منشأة حلم وننفذ لدى الثاني حلما بات واقعا . باختصار هناك وفرة في الخيال لدى كليهما تنتهي على شكل كلمات لدى الاول وافعال لدى الثاني . لكن رجل الدولة الفنان يختلف عن رجل السياسة . الاول يخلق الحدث والثاني يمنع حدوثه. وعندما يقع الحدث فانه يحاصره بغية تطويعه. يثير رجل الدولة الفنان الحدث بالطريقة نفسها التي يثير بها مصارع الثيران طريدته بخرقة حمراء لان تهدئة الثور تجعله متبطلا . لا ينتظر الجمهور شيئا من البطل الا اهاجه ينبوع الشر داخل الثور كي لا يغادر امكنته . انه كالأسد لا يمكنه الهاء فكيه بالتثاؤب فهو بحاجة الى طرائد كل علاقاته تقوم على سوء تفاهم مع الاخرين وهي وحدها التي توفر له فرصة التمتع بصيته كاسد .
ان حربا طويلة خاضها البطل على مدى ثماني سنوات جعلته متمرسا في اثارة الخلافات وما كان لخصام ان يحدث من دون ان تكون له حصة فيه عندما انتهت الحرب مع ايران كان البطل يبحث عن تلك الحروب السعيدة فدعم المسيحيين في لبنان ضد سوريا . اراد افتعال حرب مع سوريا وهدد بحرق نصف اسرائيل دخل في مواجهة مع بريطانيا عندما اعدم الصحفي البريطاني بازوفت كان يتمنى المواجهات التي اطلق عليها تسمية شعبية (الكونة ) بتوسل يضارع الابتهال .
تتطلب العلاقة بين الشخصية وبطلها التوضيح التالي : يختلف الاشخاص بمقدار قدرتهم على التظاهر هناك من يزعم انه يتظاهر وهناك من لا يعرف انه يتظاهر طفلان يمتلكان لعبة على شكل اميرة الاول يقرب كوب الشاي من فمها ويهمس في اذنها: اشربي الثاني يعتقد ، ان الاميرة تدعوه الى حفلة شاي انه مستغرق في اداء دوره كضيف لن نحلل شخصية الطفلين فذلك موضوع اخر .
ان طفلا اصيب بعله خطيرة في طفولته سينتج بطلا يوقف النمو الطبيعي لصانعه كي يرتفع البطل على معاناة صانعه، وجب ان يتسامى ويتعالى في اللجوء الى الخيال، فتبدأ الشخصية المتخيلة بإزاحة الشخصية الواقعية، يلتبس الامر على الشخصية الفعلية فتتعطل لديها ما نسميه منظومة كبح التصرفات، فتباشر لحاق بطلها الذي خلقته بيديها لحق الشخص بظله الذي لايقبض عليه يعوض الفرد عن عجزه باسباغ صفات اسطورية على بطله، فمن يفشل في دخول الكلية العسكرية يخلق بطلا يخوض ثلاث حروب دموية. عندما ابلغ اخر ملوك الاندلس بسقوط عاصمته في ايدي الاسبان قتل الرسول واحرق الرسالة ،استنتج فرويد من هذه الواقعة ما يسمى مفهوم الانكار، يقول فرويد ان ذلك مرده الرغبة في مقاومة العجز عن طريق رفض الواقع ،انه يصل الى الحرية المطلقة من خلال انكار الواقع واحلال الخيال محله. الانكار هو أولوية سيكولوجية دفاعية تغفل الوجود الفعلي المؤلم بغية تعويضه بواقع خيالي، ينكر الاطفال واقع قسوة الاباء محولين غضبهم عند البلوغ اما نحو الذات او نحو الخارج بحثا عن عدو يحقق نوعا من الاحلال لغيظ متراكم بتوجيه الى حلقات ضعيفة او اقليات يجري ايهامها بحيازتها الخطر والشر والدونية بهذه الطريقة اللاوعية ينكر ويقمع الشعور الاصلي الذي سببته قسوة الاب او زوج او الام التي كان وجودها اهانة بالغة للطفل الذي سيلجأ الى انكار اخر للشعور الاصلي ببناء ضريح لامه ، والاستشهاد ” بحكمه ” زوج الام في كيفية التعامل مع كوادر الدولة . يشمل الانكار ايضا تقزيم الحقائق . فالاعتراف بالواقع المر يفتح جروح الطفولة ، ولايسمح للخيال بالنمو ماهي طريقة العمل لدى هذه الشخصية ؟ لا ترى افعال الاخرين بل تستشف العالم من خلال ردود افعالها على مقاصد متخيلة تقف وراء افعال الاخرين انها تتصرف برد فعل على فعل متخيل ،كيف؟
عندما كان هذا الطفل يتشاجر مع الاخرين كان الحدث لا ينتهي بانتهاء الشجار بل يبدأ بانتهائه يتذكر الشجار فتبدأ تصوراته عن الاخرين بعمل حواراته الساخنة معهم ردوده المتخيلة على افعالهم انزاله العقاب بهم اشهاد الاخرين على ذلك ثم الاهم كيف نظر الاخرون اليه بعد ذلك كله وماهي الا مدة وجيزة حتى يعي ان هناك قوة في داخله تؤججه بيديها الامرتين وعندما يعود الى البيت ليلا ولكي يقوم بجرده لاحداث يومه كان عليه ان يستحضر تفصيلات ذات تأويلات شتى تجعله يقظا وتزيد من عزمه على عدم الرأفة كي يضخم المصاعب وليحصن دفاعاته .
على هذا النحو تكونت ذاكرته للاحداث وبفضل هذه الطريقة التي حصنته بالشكوك تجاه الاخرين تشكلت ذاته الجديدة او هويته . الذاكرة ارضية فينو مونولوجية للهوية : كينونتي هي ذاكرتي . انني اكون ما اتذكره بهذه الطريقة تخرج هذه الذات الجديدة وقد تحددت حياتها اللاحقة ليس بقدرتها على التذكر فحسب بل باستعصاء النسيان عليها لان ماحدث لها كان على درجة من الغور اشبه بضربة ازميل على حجر .
لايفهم الفرد قوانين الواقع فهو ينقاد لتصوراته عن الواقع مستعينا بماء بئر طفولته كي يفهم الاحداث وافعال الأخرين عليه اعادة تشكيل الحدث وفقا لمفردات تصورات بطله عن شجارات طفولته ، وعن الطريقة التي ثأر البطل بها لنفسه من خصومه الذين الحقوا به اذ لاينسى انه ينشط بهذه الطريقة عصاب طفولته يهيج ذكرياته كي يستوعب مفردات الحدث الجديد ، في عملية تتم من دون وعي منه .
عندما بدأت عمليات “ثعلب الصحراء ” قال البيان الرسمي انهم جبناء لايقاتلون وجها لوجه من دون ان تخطر لمحرر البيان فكرة وجود فرق تكنولوجي يفرض حقوقا وواجبات . المواجهة لديه معارك محورها الوحيد شجاعة بدنية وارادة . انها مفردة طفولية يستخدمها طفل يلحق به الاخرون اذى ثم يلوذون بالفرار ، فيطلق زفرة خفيضة ” اه لو كانوا امامي ” وعندما اندلعت حرب الصواريخ مع ايران وشملت المدن في البلدين ، اوقفت هذه الحرب وفق الشرط الاتي : ان تكون اخر ضربة له من دون ان يكون لايران حق الرد عليها . انها طريقة لاذلال المهزوم واشهاد الاخرين على ضعفه من اجل الاحتفاظ لنفسه باخر اهانة يلحقها بأعدائه حين نشبت حرب الخليج الثانية قال البيان الرسمي “غدر الغادرون ” ليست اذن هي حرب مصالح ، بل معركة غدر لاذلال البطل . رد هذا البطل على اعدائه برسم صورة عدوه على الارض وجعله موطئا للاقدام . عندما اقترح الرئيس السوري حافظ الاسد سحب قواته من الكويت مقابل تعهد بالسعي الى منع الحرب ، شتمه الاعلام الرسمي بألفاظ مقذعة لأنه وقف مع عدو البطل اثناء حربه مع ايران واحدة من اجمل ذكرياته التي سيظل يستعيدها طوال عمره هي صورة رسالة بيكر التهديدية متروكة على الطاولة في سويسرا خلال اجتماع المحاولة الاخيرة لمنع اندلاع الحرب .
هذه هي دراما انقياد الشخص الى ظله الجري وراء صورة بطله التي ابتدعها في حكاياته عليه يضفي قوة غير عادية على بطله لإدخال خوف غير اعتيادي لدى اعداء يظهرون قبالته في المنعطفات اكثر الصراعات ايلاما هي تلك التي لاتقابل بردود افعال فهي ترجعه الى صحوة مؤلمة تجعله وحيدا مع ذاته الاولى من دون بطل يدرأ عنه الاذى فيدرك ان خيال الذي كان في حالة نشاط فائق قد وجد نفسه بلا عمل .
هذه هي العلاقة بين البطل وصانعه . الطفولة غير السعيدة التي دامت مدة طويلة في
حياة المرء يبلغ فيها مرحلة النضج مبكرا لكنه يلبث حنينه قائما الى طفولة مفقودة يجرب استعادتها مثل شخص لم يعط الوقت الكافي للنوم فيستيقظ قبل الاوان لكن يقظته لا تستمر طويلا ، اذ تعاود عينيه نوبات الحنين الى النوم المغتصب الذي سيحثه على التفكير فيه دوما.
يكابد كل من يصل الى النضج مبكرا لهفة لاعادة العاب طفولته ولكن بعقل رجل بالغ . ان طفلا اصيب بعلة خطيرة في طفولته سينتج بطلا قويا يروق صانعه اكثر مما هو مسموح به ، فيسلم قياده اليه . لكي يرتفع البطل او الظل على معاناة منشئه عليه ان يتسامى ويغالي في التخيل . تبدأ الشخصية الخيالية بإزاحة الشخصية الواقعية يلتبس الامر على الشخصية الفعلية وتبدأ باللحاق لاهثة وراء بطلها سيعود هذا الطفل عندما يكبر ويحصل على سلطة الى العاب طفولته بعقل رجل بالغ . كي ينسى عالم طفولته سيبني عالما جديدا خاليا من توازنات واوضاع تذكر بعالم طفولته لذا عندما وصل الى اعلى سلطة اطاح جميع التوازنات القائمة في الداخل تغيير الطبيعة بتجفيف الاهوار الاخلال بالتوازن الاثني وتدمير الارث السلالي الغني للمجتمع تدمير التناسق الاجتماعي تدمير العائلة وفي الخارج التلاعب بالحدود . ان تعيين عامل وزيرا للصناعة ، وشبه امي نائبا لأعلى سلطة … كلها صور لدأب البطل (الذي لايعطى لاحد حق الاطلاع على كيفية تفكيره على اقامة توازنات هشه يطيحها ساعة يشاء كي يظهر بطولته .
ماهو الموضوع الذي يجد فيه هذا الشخص ابهى تجليات سلوكه ؟ العدوان على الضعفاء يحتل انزال الالم بالأخرين مكانا رئيسيا في افكاره . تصاحب هذه النزعة الشخصيات الصبيانية التي لم تتطور تطورا كافيا كي تتجاوز المتعة والاهواء والتحييز العدوان لدى هذه الشخصيات انما هو حل لعقدة اوديب ، اذ يمتص عيدي امين الاسيويون ، تروخيلو الهاييتيون ، السيد الرئيس العجم ) . لدى هذه الشخصيات علاقات هانئة بالنساء . فالمركيز دي ساد على سبيل المثال ، الذي عاش في ظل ام لامبالية ، طور عقدة اوديب بالمقلوب . فهو ، بدلا من قتل الاب ، عقد حلفا معه ليس ضد امه فحسب بل ضد الأمومة متمثلة بجميع قيمها : الحنان ، المواساة ، التضحية ، انكار الذات ، اعادة الانتاج التي يعتبرها خصلا يجب معاقبة ممتلكها . ان من تخلت عنه امه واضطهده زوجها لقادر على تطوير ماهو اكثر من كره الامومة انه يطور كرها لكل ما لا يمكن السيطرة عليه : خنق الحياة ، الانجذاب نحو الموت والدمار ، الرغبة في تقطيع اوصال الجسم الحي . من بين مئات الالاف من قتلى الحرب مع ايران ، لم تستهوه غير قتيلة واحدة : عروس مندلي . وهي امرأة لم يبق من جسدها غير اشلاء من اعضاء ليلة زفافها بسبب قصف جوي ايراني ، بحسبما تردد مسابقة كبرى لتسجيل الحدث فنيا داعيا الفنانين الى ابراز النواحي الجمالية في موتها . كان يتوقف طويلا قبالة الصور التي يظهر فيها الجسم البشري ، وقد تعرض الى الخراب . كان يتفقد الاعمال الفنية برغم ورود جثث مئات القتلى . هناك الكثير من الادلة على تمتعه بمشاهدة افلام تتضمن مناظر لقطع الايدي والاذان ولوشم الجباه .
تهوى هذه الشخصية التنظيم المفرط للأشياء في محاولة للسيطرة على الحيز .فهي لا تحتمل وجود الاشياء في غير مكانها . يشعرها ذلك بفقدان سيطرتها على المكان . انها بواسطة التنظيم المغالي للوقت والدقة في المواعيد ، تحاول السيطرة على الزمن . تعشق الجماد (ولع بالقصور ، الملابس ، هداياها سيارات وارض ومسدسات ) متى تخرج الى العلن تستعرض قوتها ، تشهر سلاحا او تطلق نارا .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة