جزئية الجماعات المتطرفة وتغيّر الموقف الفرنسي من النظام السوري

صفوان داود

بعد خروج فرنسا من الدور العالمي عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956, عدّ شارل ديغول أن الدور الفرنسي الدولي لن يعود اذ لم يكن لفرنسا سياسة مستقلة عن الحلفاء وخاصة الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، بنت الجمهورية الفرنسية خطاً مستقلاً بالفعل عن الحلفاء الغربيين من خلال تحررها من سطوة تأثيرات حلف الناتو(1), برغم سعيها الدؤوب في المقابل لتكريس منظومة الاتحاد الأوروبي, التي تعدها فرنسا المجال الحيوي للحفاظ على تفوقها, في ظل الهيمنة الاميركية على العالم الغربي.
لكن القوة الدولية لفرنسا بدأت تتآكل بنحو تدريجي، ولم يستطع اي رئيس فرنسي لاحق ان يصيغ سياسة خارجية بهذه الاستقلالية لفرنسا من ديغول, الا في اطار الحدود التي تضعها اميركا لها. وباستثناء الرئيس فرانسوا ميتران(2) لم يزل رؤساء فرنسا يزدادون ضعفاً وتبعية للولايات المتحدة(3).
بعد ثلاثين عاما عادت فرنسا في عام ١٩٩٦ لحضور اجتماعات حلف الناتو, وفي عام, ﺻوﺗت اﻟﺟﻣﻌﯾﺔ اﻟوطﻧﯾﺔ اﻟﻔرﻧﺳﯾﺔ ﻟﺻﺎﻟﺢ ﻗرار ﻋودة ﻔرﻧﺳﺎ اﻟﻰ اﻟﻘﯾﺎدة اﻟﻌﺳﻛرﯾﺔ ﻟﻠﻧﺎﺗو, تمهيداً لحصولها من الراعي الاميركي على نفوذ ما في تقسيم المشرق وشمال افريقيا لمابعد موجة «الربيع العربي». سعى اليها كل من ساركوزي وهولاند واتبعا تقريبا السياسة العدائية نفسها تجاه النظام السوري. لكن مع قدوم الرئيس الفرنسي الجديد ايمانويل ماكرون بدا تغييرا يظهر في السياسة الفرنسية, هكذا استقبل في باريس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين في معرضٍ نُظم في قصر فرساي بمناسبة الذكرى الـ300 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وروسيا.
كما ظهر بموقع الند امام الرئيس الاميركي اخلال الاحتفالات بالذكرى المئوية لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى, مدعيا في لقاءاته انه يسير على خطى النهج الديغولي الميتراني، وهو نهج طالما يحن له الشارع الفرنسي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لفرنسا..

الأزمة السورية 2011
طالما شكل لبنان المؤشر الرئيسي لطبيعة العلاقة الحاكمة بين سوريا وفرنسا. هكذا واذ كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قد دعم استلام الرئيس بشار الاسد للحكم في سوريا, الا انه في الوقت نفسه كان يبحث عن طريقة لاضعاف الدور السوري الكبير في لبنان, وكانت الفرصة مؤاتية عام 2005 عام اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري, حيث عملت الدبلوماسية الفرنسية بنشاط غير مسبوق على خلق ودعم كل الظروف والقرارات الدولية للحد من الدور السوري في لبنان.
لكن بعد أن ادركت فرنسا أنها أخطأت التقديرات بسقوط الدور السوري نهاية عام 2006, اعادت في عهد ساركوزي سريعا العلاقات بين سوريا وفرنسا(4), إلا أن السياسات الفرنسية المطواعة لولايات المتحدة كانت تنذر بتدهور العلاقة بين البلدين في اي لحظة.
هكذا مع اندلاع الازمة السورية عام 2011, لم يكن من المستغرب اﻟدور اﻟﻔرﻧﺳﻲ اﻟﻣﻌﺎدي بقوة ﻟﻧظﺎم الحكم في سوريا, واﻟﺗﺻرﯾﺣﺎت اﻟﻔرﻧﺳﯾﺔ العلنية التي تجاوزت كل الاعراف الدولية والدبلوماسية المطالبة بتنحي الرئيس السوري, واﻟداﻋﻣﺔ بنحو مطلق للمجموعات المسلحة, برغم علم السلطات الفرنسية بالميول العقائدية الفاشية لهذه المجموعات وخطورتها على الامن القومي الفرنسي.
ولم تكتف فرنسا بالتصريحات واقامة المؤتمرات, بل انتقلت الى عدوانية صريحة(5) من خلال الدعم العسكري(6) لهذه المجموعات, عندما اعلن الرئيس الفرنسي صراحة بأن “ﻓرﻧﺳﺎ ﺳﻠﻣت اﻟﻣﻌﺎرﺿﺔ اﻟﺳورﯾﺔ اﺳﻠﺣﺔ ﻣﺣدودة وﻓﻘﺎ ﻟﻘواﻧﯾن اﻻﺗﺣﺎد اﻻوروبي” ﻟﺧﻠﻖ ﻧوع ﻣن “اﻟﺗوازن, ﺑﯾن ﻗدرات اﻟﻧظﺎم وﻣﻌﺎرﺿيه” حسب الرئيس هولاند.
لا بل أكثر من ذلك, رفضت فرنسا لفترة طويلة الدخول مع التحالف الدولي في ضرب «تنظيم الدولة الاسلامية» في سوريا خوفاً من أن يؤدي ذلك الى رجحان كفة النظام السوري في حربه ضد مجموعات المعارضة السورية المسلحة.
كل هذا تغير مع الرئيس ماكرون ودخوله قصر الأليزيه، واستلامه مهامه، معدلاً بنحو لافت سياسة الخارجية الفرنسية تجاه سوريا, واعلن صراحة ان تنحي الرئيس السوري ليس مطلبا الزامياً لحل الازمة السورية(7), وكرر هذا القول وزير خارجيته في بغداد الاسبوع الفائت.
واستهجنت قوى ائتلاف الرياض للمعارضة السورية هذا الموقف الجديد من الرئيس الفرنسي, واعتبرته صادماً خاصة وأن فرنسا هي واحدة من الدول الاربعة التي شكلت نواة «اصدقاء سوريا» الى جانب كل من بريطانيا وقطر والمملكة العربية السعودية. ويعود هذا التحول الى اسباب عدة منها تآكل الدولة الاسلامية ومصير مقاتليها.
اذ يبدو ان موضوع المقاتلين الفرنسيين المنضوين ضمن التنظيمات الاسلاموية المتشددة في سوريا قد اصبح ضاغطا جدا على فرنسا بعد سقوط الموصل وتآكل «الدولة الاسلامية» في سوريا, ويقدر عددهم حاليا بنحو 700 مقاتل عاد منهم 271 ارهابي بحسب تصريح زير الداخلية الفرنسي جيرار كولوم لصحيفة دو ديمانش(8), وهو عدد كبير ويشكل خطر امني جدي في فرنسا التي عانت من عدة عمليات ارهابية العامين الماضيين.
ويشير تكرار الحوادث الارهابية في دول الاتحاد الاوروبي كما حصل في برشلونة مؤخرا الى بقاء الخطر قائماً في حصول عمليات ارهابية في فرنسا من ارهابيين ليسوا بالضرورة ان يكونوا من اصل فرنسي, ومن البديهي ان تلك العناصر الارهابية مهما كانت جنسيتها يمكن ان تضرب في اي مكان, كما ان الضحايا قد يكونوا من جنسيات مختلفة, حيث في اعتداء برشلونة مثلا كان هناك اكثر من 20 فرنسيا من بين المصابين.
من هنا تجد فرنسا نفسها مضطرة الى مراجعة سياساتها الخارجية نحو الشرق الاوسط عموما وسوريا خصوصا لأسباب عدة منها موضوع مصير العناصر الارهابية الذي يبقى عصيا عن الحل في المدى المنظور.

مراجع
(1): انسحبت فرنسا من حلف الناتو بقرار من ديغول عام 1966.
(2): انظر على سبيل المثال خطاب كانكون عام 1982 الذي اتنقد فيه الولايات المتحدة لحصارها كوبا.
(3): اتبع كل من ديغول وميتران دبلوماسية ثابتة قائمة على التحالف من غير تبعية للولايات المتحدة، مع انفتاح في الوقت نفسه على حوار مع موسكو.
(4): أستقبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نظيره السوري بشار الاسد اليوم السبت ( 12 يوليو تموز 2008) في قصر الايليزيه. وأنهي اللقاء سنوات من الجمود في علاقلات البلدين عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق في لبنان رفيق الحريري في عام 2005.
(5): ذكر مرارا السيد بشار الجعقري في كواليس الامم المتحدة عن التاريخ المظلم لفرنسا في سوريا والمشرق. فرنسا التي قصفت اﻟﺑرﻟﻣﺎن اﻟﺳوري اعوام 1925 1926 1945 فرنسا التي باعت اللواء لتركيا فرنسا التي دعمت اسرائيل… والكثير من الافعال العدوانية لشعوب المشرق وليس للشعب السوري فقط.
(6): انظر على سبيل المثال: (هولاند: فرنسا سلمت أسلحة إلى معارضة سوريا قبل أشهر) تلفزيون العربية. 21 أب 2014.
(7): ” الرئيس الفرنسي لا يرى بديلا شرعيا للأسد في سوريا”. وكالة رويترز, 21 يونيو حزيران 2017.
http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN19C2E5
الرئيس الفرنسي لا يرى بديلا شرعيا للأسد في سوريا | أخبار …
ara.reuters.com
باريس (رويترز) – قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الأربعاء إنه لا يرى أي بديل شرعي …
(8): أنظر:Collomb sur les Français de retour de Syrie et d’Irak : “Nous en sommes à 217 majeurs et 54 mineurs”. Le journal du Dimanche, 6 aout. 2017.http://www.lejdd.fr/politique/collomb-sur-les-francais-de-retour-de-syrie-et-dirak-nous-en-sommes-a-217-majeurs-et-54-mineurs-3404645

* باحث مختص بالشأن السوري سوريا

مقالات ذات صلة

اضف رد