ما هي التدابير التي اتخذتها دول أوروبا لمواجهة دعاية داعش على الإنترنت؟

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

يشغل تنظيم داعش الكثير من الاهتمام الإعلامي والسياسي وكذلك الشعبوي بين شريحة الشباب، وذلك من خلال الشبكة العنكبوتية وتطبيقاتها من خلال التفاعل مع هذه الشريحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المفتوحة. ويأتي تصعيد عمليات القرصنة الالكترونية بسبب خسارته المستمرة على الارض، ابرزها معاقله في العراق وسوريا. هذه الجماعة تعد “الجهاد” على الأنترنيت دعامة رئيسة في تركيبة وعمل التنظيم الى جانب “الجهاد” على الارض.

منسق مكافحة الإرهاب
في أوروبا “دو كيرشوف”
يعتد “جيل دو كيرشوف” البالغ من العمر 60 عاما “قيصر” مكافحة الإرهاب في أوروبا ، فهو المنسق الثاني لشؤون مكافحة الإرهاب، وهو المنصب الذي أنشئ عام 2004 بعد هجمات مدريد، هذا الموظف الأوروبي الرفيع الحاصل على دكتوراه في القانون ، خلف الهولندي” غايس دي فرايس” عام 2007 بعد أن استقال ،عادا منصبه لا يحظى بأي اعتبار، غير أن “دو كيرشوف” الصبور والمعروف بلباقته تمكن من تجاوز إقصاء المفوضية الأوروبية والوزراء، وشكل حوله شبكة واسعة من العلاقات جعلت الاتصال به حتميا.
ويقول بعض المسؤولين الأوروبيين عنه: ” كيرشوف هو كل ما نحن لسنا عليه، لكننا نملك كل ما يفتقر إليه”، “فهو يملك حرية الكلام وحتى الحق في التطاول”، فهو يعمل لصالح المجلس الذي يمثل الدول، ويطرح الأفكار ويوفر الآراء ويقدم توصيات دون أن يكون ملزما بقواعد الماكينة الإدارية المعقدة للمفوضية”.
وأرسل ”دو كيرشوف” في 27 نوفمبر 2014 مذكرة من عشرين صفحة إلى وزراء الداخلية والعدل في الاتحاد الأوروبي صاغ فيها أبرز المشكلات التي يطرحها المقاتلون الأجانب ولاسيما الشبان الأوروبيين الذين غادروا للانضمام إلى حركات جهادية في الشرق الأوسط ،لكن وبرغم ما يبذله من جهود فإن “القيصر” لديه إمكانيات محدودة، ففريقه يقتصر على ثلاثة مستشارين وسكرتيرين.

داعش والإنترنت
نجح تنظيم “داعش” في إقامة إمبراطورية إعلامية متوسعة الأركان على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي منذ إعلان “دولة الخلافة” في أبريل عام 2014 بعد سيطرته على أراض بالعراق وسوريا.
واستخدم تنظيم داعش مواقع” فيسبوك وتويتر وتليغرام” كوسيلة لنشر أخبار التنظيم واستراتيجيته الفكرية المتطرفة بهدف إذاعة مقاطع وصور وتقارير تثير الرعب والصدمة، وتجذب المزيد من المتطرفين حول العالم إلى صفوفه، واستخدم داعش مواقع أخرى أبرزها “واتساب وفايبر” كوسيلتي اتصال مباشرة بين أعضائه من أجل إعداد وتنظيم عمليات إرهابية في دول عدة.
وكشفت دراسات أن نجاح التنظيمات الإرهابية في الإبقاء على قوتها الإعلامية على الإنترنت والاستمرار في تنفيذ هجماتها الإرهابية هو بسبب استخدام “الاتصالات المشفرة Dark web” بالإنترنت، وتمثل “الاتصالات المشفرة” طبقة عميقة يصعب فكها.
وكشفت دراسة من معهد “بروكنجز” الأميركي إلى أن طبيعة الأجهزة الإلكترونية المستخدمة لإدارة هذه الحسابات من قبل المنتمين لداعش، تباينت بين 69% مستخدم للهواتف التي تعمل بنظام أندرويد، و30% مستخدم للهواتف التي تعمل بنظام “آي أو إس”، و1% لهواتف “بلاكبيري”، إضافة إلى أن اللغة العربية كانت اللغة الأكثر استخداماً في إدارة حسابات تويتر بنسبة 73%، و18% من الحسابات باللغة الإنجليزية، و6% من الحسابات باللغة الفرنسية.
مساعي المفوضية الأوروبية لحذف مواد التطرف
ذكرت مسودة وثيقة اطلعت عليها “رويترز” في 23 أبريل 2017 أن الاتحاد الأوروبي يفكر في اتخاذ إجراءات تشريعية لتنسيق كيفية قيام مواقع الكترونية مثل “فيسبوك وتويتر وجوجل” بحذف مواد التطرف، وأدى انتشار المواد المتطرفة والأخبار المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تعرض الشركات لضغوط متزايدة للتخلص منها بسرعة.
وأشارت المفوضية الأوروبية “إن هناك قدرا كبيرا من التفاوت في الأساليب المطبقة لحذف المحتوى غير القانوني سواء كان تحريضا على الإرهاب أو خطاب الكراهية، وأضافت المفوضية إنها قد تطرح تدابير تشريعية أو غير تشريعية بحلول نهاية عام 2017 لمعالجة التشتت والغموض القانوني المرتبط بحذف المواقع الالكترونية للمحتوى غير القانوني.”
واتفق “فيسبوك وتويتر ويوتيوب” على ميثاق سلوك للاتحاد الأوروبي لمعالجة حذف محتويات مواد التطرف على الانترنت ،ولكنها واجهت انتقادات من المفوضية لعدم تحليها بالسرعة الكافية، وقالت الشركات إنها في موقف صعب لأنها غير مسؤولة عن المحتوى الذي يُبث على مواقعها وغير ملزمة بمراقبة ما يجرى بنحو نشط، ولكن عليها حذف المحتوى غير القانوني لدى إخطارها.

تدابير وإجراءات لمواجهة الهجمات الرقمية
أعلنت المفوضية الأوروبية عن مجموعة من التدابير، منها تعزيز ولاية وكالة الاتحاد الأوروبي “يو ليزا” للإدارة التشغيلية لنظم تكنولوجيا المعلومات على نطاق واسع، وتمكينها من تطوير وتنفيذ الحلول التقنية لجعل أنظمة المعلومات في الاتحاد قابلة للتشغيل المتبادل، إضافة إلى ذلك اقترحت المفوضية إدخال المزيد من التحسينات على النظام الأوروبي لمعلومات السجلات الجنائية، لتمكين الدول الأعضاء من تبادل السجلات الجنائية للمواطنين من خارج الاتحاد على نحو أكثر كفاءة.
وقدمت المفوضية تقريرا حول التقدم التي أحرزته في مجالي الأمن والدفاع ، وحددت المفوضية من خلال التقرير، التدابير المتخذة على مستوى الاتحاد الأوروبي، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بمكافحة التطرف والتهديد السيبراني.
وأعلنت شبكات التواصل الاجتماعي العملاقة فيسبوك ويوتيوب وتويتر ومايكروسوفت فى 27 يونيو 2017، إنها تشكل مجموعة عمل عالمية لتوحيد جهودها، لحذف المحتوى المتطرف من منصاتها، في استجابة لضغوط من حكومات أوروبية، بعد سلسلة هجمات شنها متشددون، وقالت الشركات إنها ستتبادل الحلول الفنية لحذف المحتوي الإرهابي، وستتعاون بنحو أوثق مع خبراء في مكافحة الإرهاب.
ومن جهة أخرى أشار “دونالد توسك” رئيس المجلس الأوروبي، إلى أن قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حثوا مسئولي الشبكات الاجتماعية الكشف تلقائياً عن المواد المتطرفة وإزالتها لمنع انتشارها على الإنترنت،و تطوير أدوات جديدة للكشف التلقائي وإزالة هذه المواد”.
وتوالت الضربات الإلكترونية ضد داعش، خلال عامي 2015-2016 لتقوم أجهزة الاستخبارات الاوروبية والدولية بغلق أكثر من 235 ألف حساب على تويتر، مع رصد أكثر من 2000 تدوينه على أكثر من 52 منصة إلكترونية، وأغلق 70 قناة لداعش على تليجرام كانت تبث بـ12 لغة مختلفة، إضافة لتراجع أعداد المتابعين لـ300 متابع للحساب الواحد.
بات تنظيم “داعش” الإرهابي من أخطر التنظيمات التي تمكنت من ممارسة العديد من أعمال العنف، وذلك من خلال استخدام وسائلَ شتّى، أبرزها الانترنت، وقُدرته أيضًا على التمكّن من الوصول إلى فئةٍ واسعة من الشباب وإقناعهم بالانضمام إليه، ومن الممكن أن تَصحوَ أسرةٌ ما من سُباتِها بينَ عشيّةٍ وضُحاها، وتَجِد بين أفرادها مَن تمّ استقطابُه، وتَحوّلَ إلى شخصٍ متطرف وهو في غرفة نومه أمام حاسوبه.
وبرغم تراجع التنظيم على الارض وفي معاقله، فأن خبراء الامن والمعنين في الجماعات المتطرفة، تجمع بأن الدعاية المتطرفة لتنظيم داعش على الأنترنيت لا تقل اهمية عن انشطة التنظيم على الارض، بل كانت وسيلة فاعلة في كسب الشباب وسلب عقولهم، خاصة في دول اوروبا، وهذا ما جعل الدعاية المتطرفة تتصدر اهتمام دول اوروبا والمفوضية الاوروبية، وتضع سياسات وقوانين جديدة لمواجهة التطرف على الانترنيت.
إن مواجهة “الدعاية الجهادية” وشيطنة الانترنيت لا يمكن ايقافها، برغم جهود الحكومات والمنظمات، فالتطور الحاصل في التكنلوجيا والتقنية تستثمره هذه الجماعات ايضا بين انصارها من الجيل الرابع والذي يمثل الشريحة الاوسع لهذه الجماعات.

مقالات ذات صلة

اضف رد