الأخبار العاجلة

أكترينا…

قيس مجيد المولى

شخصيا لا أدري من هي أكترينا ،وإن حاولت أن تكون مدخلا ما ربما سأفتقد الى عناصر ضرورية لاستكمال مدخلي هذا وبالتالي علي ملاحظة نفسي في هذه اللحظة ، مصاب منذ 7 أيام بالإنفلونزا ، وممدد حاليا على قطعة من القماش وأتكئ على يدي اليسرى وأكتب بواسطة إصبع واحد من يدي اليمنى، قبل لحظة سعلت ومع سعالي تضيء الشمس وتختفي ، تختفي بسبب ظهور أول قطع غيوم لهذا الشتاء ،لم أذهب الى عيادة الطبيب لأسباب تتعلق بقناعتي أن الإنفلونزا ليست بالعارض الطارئ كما أنها بالنسبة لي تمثل حالة من حالات إزدراء أشياء عديدة في الحياة ولمرحلة معينة، رغم ذلك ذهبت لصيدلية ثامن، صيدلية أنيقة وجذابة وصاحبها ثامن شابٌ معرفي ويصف العلاج الازم ، نظرت الساعة ووجدتها التاسعة تركت الكتابة وأتيت بالعلاج الذي وصف لي ( بندول كولد داي و أزاكس 500 ) تناولت قرصين من البندول وفي العاشرة سأتناول أزاكس 500 ) بعد تناولي قرصي البندول تذكرت شيئا اسمه أكترينا ، ضغطت رأسي وأنا أردد(أكترينا ، أكترينا ، أكترينا ) لم أفلح بمعرفة هذا الاسم ونسَّبتَهُ لعقليَّ الباطن ولذاكرتي المشوشة من أنه بقية من بقايا العديد من أسماء النسوة البولنديات اللواتي جمعنا وإياهن التورست كامب في العاصمة وارشو ،لكنها لم تكن وبالتأكيد تلك التي أوقدت سيكارتها من سيجارتي في قطار النمسا ولا تلك التي تعرفت اليها في مطعم البيض الساخن في بودابست ولا تلك التي اشتريت لها قطة تترية ولا تلك التي ذهبت بي الى جبل بيتوشا ولا ولا ولا ، تقلبتُ على قطعة قماشي وظل جسدي يستند على ساعدي الأيمن ولكني ويا للهوس لازلت أقول أن هناك شيئا ما اسمه أكترينا ، إعتدلت وذهبت الى مكتبتي أتفحص الروايات التي قرأتها هذا العام ، بدأت بفهرس الفصول ثم بدأت بالصفحات أقلبها بنهم وبرغبة كي أجد أكترينا أو ما يفتح أمامي طريقا للاستدلال على أكترينا ،بدأت بتولستوي فلم أعثر على أكترينا لا كبطلة ولا كشخصية عابرة لكني عثرت على اسم تقريبيا من أكترينا وهو اسم كاترين من خلال قراءتي لــ قصة (حائط البنادق ) ثم تصفحت تشيخوف من عنير رقم 7 الى السيدة صاحبة الكلب ولكن بلا جدوى وهكذا مع ذئب البوادي لهرمان هسة ، ووقتٌ للحب وقتٌ للموت لـــ ماريا ريمارك مرورا بـ أبله دوستفسكي ،بل تعدى ذلك الى ما قرأته خلال هذا العام من النصوص الشعرية المترجمة لبودلير ،مالارميه، أنجارتي، رامبو، الكسندر بلوك ، تسلفاتيا ، هنري ميشو واخرون ولكن عبثا أن أجدد العبث بالعبث ،قُرعَ جرس الباب لاأدري لِمَ تلقائيا نظرت الساعةَ ،ضغطت على مرفق ساعدي الأيسر ونهضت من يدري ربما أكترينا لكنها المرأة التي تقرع الجرس بين يوم وأخر طلبا للمساعدة ،امرأة طاعنة في السن تقطن الحسينية وتأتي للإستجداء صباحا وتعود بما تيسر من الأرزاق لأبناء ابنتها اليتامى ، ترى وهي بهذا الحال هل يليق أن أسالها عن أكترينا وهي قطعا لا تجيد حتى لفظ اسمها كما ألفظه أنا ،سألتني ( سلامتك يمه ) قلت( الأنفلونزا ) قالت ( أشوفك مدوهن ) أغلقتُ الباب وفعلا كما قالت الحجية ، وهل التفكير بمعرفة أكترينا يجعلني ( مدوهناً لهذا الحد ) ،بدأت الغيوم تنقشع غيمة بعد أخرى ومن النافذة بدأت أحسب كم غيمة انقشعت وكم من الغيوم اللواتي لم تنقشع ،وفي لحظة ما تذكرت كم من الغيوم كانت ترافق قطار طوروس المتوجه الى فرشافا ، كنت حينها أمد يدي من النافذة وأغسل وجهي بماء المطر فتنهرني مفتشة العربات وتغرمني 30 زلوتيا تضعها في حقيبتها التي تستقر على بطنها ، تراني أضحك ، أضحك فأعيد فعلتي أمامها مرة ثانية فتغمرني 40 زلوتيا وتراني أضحك وتنذرني بأنها في المرة الثالثة ستنزلني من القطار ، لم يكن اسم تلك المرأة ، المرأة مفتشة القطار ، لم يكن اسمها أكترينا ولا المرأة بائعة المشروبات الروحية في السوق الحرة اسمها أكترينا ،الى الآن لم تنقشع غيوم أكترينا من رأسي ولن يفك الخلط الزماني والمكاني في تذكر المسميات إلا بالعودة الى ثامن لمساعدتي عبر عقاقيره لبناء ذاكرة جديدة لي تبدأ من مرحلة خالية من الغيوم والقطارات والأمطار.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة